العولمة العلم والتغيير

آخر تحديث : الإثنين 5 يونيو 2017 - 1:44 مساءً
العولمة العلم والتغيير

أ.د. ابراهيم بويحياوي

كل من ينظر إلى تاريخ الأمم عبر الزمن يدرك أن هذه الأخيرة وكل المجتمعات التي عرفت كيف “تسيِّر” ذلك التاريخ هي التي خرجت بوسام الحداثة والتقدم والهيمنة سواء كانت هذه الهيمنة سياسية أوعلمية أوحتى على مستوى “طريقة العيش”. وإن التخوف الذي يبديه الكثير من قضية العولمة مرتبط بأمرين : – الأمر الأول يرجع إلى عقدة المغلوب على أمره (نظرا أن منطقة شاسعة من هذا العالم عرفت الاستعمار) والمتمثلة في الشعور بالعجز أمام القوى الخارجية..، – الأمر الثاني مرتبط بالقصور الذهني أمام التقدم..

في الحقيقة ما العولمة إلا تعبير طبيعي عن حالة التاريخ المعاصر و” الصدفة ” التاريخية تتمثل في كون هذا الوضع العالمي تهيمن عليه بعض الدول عوض البعض الآخر.. والحضارات تداول.. فكون العولمة حقيقة غالبة وكونها غربية يجعل منها في نظر البعض خطر على الأمم “الصغيرة” أما الأمم الكبيرة فتعرف كيف تتعامل مع التغيير بقدرة المتبصر والحاذق في الملاحة في وسط محيط هائج..

إن العولمة فرضت أدوم قانون في التاريخ وهوالتغيير (le changement) سواء كان هذا التغيير يسمى حداثة (modernité) أوتقدم (progrès). كل الأمر يبقى في ماذا نضعه تحت هذا أوذاك؟

الحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان هي أن العولمة تُسَوِقُ أمران : العلم والتكنولوجيا لكن من وجهة أحادية الجانب. الخوف من التغيير هوالذي يتولد عن عدم النضج التاريخي والحضاري في عصر إن لم تُهَوِّي غرفتك مِت اختناقا. فلا بد أن يتماشى المجتمع والتغيير خاصة باستعمال وسائل الاتصال الحديثة لبلورة رؤية جريئة.

جاء في مقال لإمانوال كنط بعنوان : ما هي الأنوار؟ أن القصور (la minorité) هوفقدان الجرأة! فالتقدم والحداثة مخيفان لأن عدم الثقة بالنفس أمام الآخر تجعل من الفرد “يقوض” طاقاته الكامنة عوض أن يتفتح ويعبر بإرادة عن حقيقته التاريخية والحضارية فيتفاعل مع الآخر على كونه “آخر” وعلى كونه “مفيد” ويمكن الأخذ منه في مجال العلم والتكنولوجيا وكذلك على مستوى الحرية والديمقراطية ليس بتكييفهما وإنما أخذهما على مستوى المبدأ. كما أنه يمكنه صقل هذه وتلك بفضل سموالأخلاق التي تميز حضارته والمبدأ الروحي المتمثل في أرفع صور الحرية وهي التوحيد. فيكون بذلك “آخذا” و”معطاء” ولا يتسنى له هذا إلا إذا “نجح” في حياته بامتلاك العلم – ما العلم إلا سلوك حضاري وكذالك قدرة على استعمال يده وعقله لصنع آلات وأدوات تكملهما – والتحصيل العلمي في شتى مجالات الفكر – وما التحصيل العلمي سوى ذلك التطلع إلا التحرر من الحتميات سواء كانت بشرية أو”ميتافيزيقية” وتحقيق حياة مدنية يسودها التسامح.

فالتاريخ الحديث يسجل بفضل قانون “البقاء للأصلح” أن الأمم والمجتمعات يمكنها الخروج من دائرة الغفلة والسبات بالتخلص من الخوف، خوف فقدان الذاكرة، أي الماضي الحضاري أوقل خصوصية هذا الماضي، والخوف من القصور الحقيقي إذا تنبهت العامة من الركون إلى الراحة والرضا بالقليل. وتفطن علمائها وقادتها إلى عدم التميز بالزائف مثل الذهب والحرير.. وإنما بالجرأة واليقظة.

إن العولمة جاءت كصفعة في وجوه الغافلين فإما أن يتحكموا في التغيير وإما يغيرهم التغيير إلى طبقة ثالثة، طبقة المستهلكين..

يمكن للعالم الإسلامي كما ذكر ذلك مالك بن نبي أن يساهموا في حركة التاريخ بأفضل وأنبل ما يملكون وهي : الأخلاق..لأن لا بضاعة لهم سوى هي.. لأن العجلة والبارود قد اختُرِعوا فهل يعملوا على اختراعهما مرة ثانية ؟ ! فعل هذا مضيعة للوقت.. وإنما دورهم أن يدلوا بدلوهم في صياغة عالم يعيش فيه الجميع.. هذا لا يعني أن يركنوا إلى الخمول، إنما يعملوا بجد وتطلع إلى غد أفضل بإنتاج تكنولوجي يميزهم عن غيرهم..

كما أن على “الآخر” أن يتغير كذلك بنبذه لفكرتين وهما التعالي والهيمنة إذا كانت غايته “أنسية” ” ؛ إذن فوقت الحروب قد ولى وأن التغيير مصير كل المجتمعات سواء بالنسبة للحضارات أوبالنسبة للعالم بأسره. والتاريخ يسجل أن كل من يتأخر عن “الغاية الكبرى” للإنسانية وهي تحقيق السلم تمر حتما عن طريق الرفق بالضعفاء وإنقاذ الغريق والتسامح مع الذي يخالف الآخر سواء في اللغة في الدين أوحتى في اللباس أوحتى، عموما، في طريقة الحياة.

يختلف مفهوم الحداثة من حضارة إلى أخرى. فالغرب بصفة إجمالية يعتبر الحداثة في تحقيق الحرية المطلقة..

في العالم الشيوعي الحرية هي التحرر من الاغتراب وتحقيق العيش..

بالنسبة للإسلام الحرية هي إثبات التوحيد.. لا يمكن التوفيق بين هذه الأبعاد الأنسية في صيغة فكرية مشتركة.. وما الداعي إلى تحقيقها؟! لكل دينه وعقيدته وحداثته.. وكذا لكل نظرته التقدمية التي يراها بشرط أن تنحصر رؤيته في عالمه وأمته ومجتمعه.

ولننزل إلى مستوى الحياة اليومية فما يحتاجه الإنسان في يومه وليلته لكي تتحقق إنسانيته ؛ يحتاج إلى استقرار وإلى شيء من الرفاهية. فعلى المستوى الاقتصادي يحقق الإنسان بشريته بالعمل وعلى المستوى السياسي يحققها بالمشاركة في الفعل المدني..

بهذه الصفة يكون الفرد قد انتهى من الضروري ويبقى “الكمالي”.. الذي يأتي في صورة المشاركة في إخراج ما بداخله كـ” إنسانية ” تعبر عن تلك القدرة المنتجة للأشياء وللأفكار.

العلم والتغيير

العلم عماد الحياة البشرية ؛ ألم يُعَلِّم اللهُ آدم الأسماء كلها ؟ ! ألم يقل لنبيه : إقرأ ؟ ! ألم تقم الإنسانية على الكتب ؟ ! إذن فمن طبيعة الحياة أن يمتلئ الكون بصدى : إعلم كما كان يحلوللأقدمين أن يكتبوا..

إن العصر الحالي لم يعتمد في قوامه على التكنولوجية فقط. إن الخطأ، كل الخطأ أن يظن الإنسان أن التقدم يقوم دون العلم أوفقط بالتكنولوجيا.. فما هذه الأخيرة إلا نتاجا للعلم. فالتكنولوجيا وسيلة.. فما هوالعلم إذن؟ لن نجيب بلغة العلماء وإنما بكلمات المتعلم : العلم ثقافة حياة وسلوك. ثقافة بحيث تقوِّم اعوجاج السلوك.. وسلوك بحيث تعبر عن سلامة العقل.

فالعلم يسمح، حتما، لمن يفقه بأن يتبع طريق الكبار في اتخاذه أسلوب حياة. يقول دي طوكفيل في كتاب “الديموقراطيا في أمريكا”، ما معناه، أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تكسب في 1830 عالما واحدا وإنما ما كان يميزها هوأن شعبها، كلهم، كانوا يقرؤون ويكتبون.. فالطريق الذي تسلكه الجزائر صحيح في سياستها التعليمية.. لكن أي علم نقصد؟!

العلم يعتمد في حقيقة أمره على الأخلاق. والأخلاق ثقافة حياة كذلك. والحياة هي موطن الإنسان فلا يمكن الفرار منها، إذن فلتكن هذه الحياة كبيرة كبر الكون.. أوعلى الأقل كبر الأرض.. والعلم طموح لحياة أفضل ولضياء أوسع ولهدف أسمى.. يبدأ العلم بالحروف ويمضي بالأفكار ويتواصل بالوسائل وينتهي بالأفكار أخيرا.. فالعلم يعلِّم الإنسان كيف يفكر وبالتالي كيف ينظم حياته بل وكيف يتعامل مع الناس بحيث يسمح بنشر الأمن والطمأنينة والأمان.. وقد يتوقف الواحد أمام حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: “العلم بالتعلم والحلم بالتحلم”.. نستنتج في هذا المقام معنيين: المعنى الأول يكمن في الجهد الذي لا بد من بذله من أجل العلم ؛ والثاني في الربط بين العلم والحلم.. فالعلم خلق..ويصحح اعوجاج السلوك.. أما في ربطه بالأخلاق فقد يمحي الطغيان والتجبر على مستوى الفرد كما على المستوى السياسي.. من هنا يأتي التغيير الذي دون اعتماده على العلم يكون فوضى.. إذن العلم هوالأخلاق والحلم هوغاية العلم وغاية السياسة.. فالعلم والتغيير ضرورات وحتميات تأتي عن طريق الوعي الذي يفرض بدوره مستوى من التسامح والابتعاد عن التكبر الذي يولد الطغيان.. كل واحد في محله.. الأب والزوجة بينهما ومع نسليهما.. المعلم في صفه والمدير في إدارته والوزير في وزارته ومهامه.. إذا تكلمنا لغة التحليل النفسي ولنصقل “الأنا”، ولنلطفه ولنهذبه.. فالعلم إذا لم يؤدي بنا إلى تهذيب النفس فليس علما وإنما فقط تكنولوجيا.. أي حجارة وحديدا..

العلم يعني الحلم والتغيير يعني تقاسم المصالح.. إن الذي نلاحظه في مجتمعنا هونوعين من المرض : الأنانية والتعصب.. الأنانية لا تقبل القسمة وتتنافى والعلم والمشاركة والتعصب بدليليه التشبث بالرأي وإن كان خطأ والتسرع في الحكم وإن لم يكن صوابا.. “رأي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب” أوكما جاء في الأثر.. ولا يتأتى هذا السلوك إلا بسعة الصدر.. وبالتالي عنوان التغيير هوالاتزان. إن الفوضى العارمة التي يعرفها العالم الذي من حولنا عرفتها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بل منذ القرون الوسطى الأوروبية إلى القرن العشرين مع الحربين الكبيرين وانقسام العالم الغربي إلى قسمين وحتى بعد ذلك “لتصحيح” المسار.. فهذه سنن التاريخ ولكن الذي يجب تفهمه هوأن لا يقع المجتمع في نفي الذات.. فعلى الإنسان أن يعرف ذاته ويفرق بين الأدوية وذلك يصبح ممكنا بالعلم الذي يمثل السياج الذي يحمي حمى الأمة. فالتغيير يأتي بالعلم الذي ينظم التفكير بالتالي يسمح بتنظيم المجتمع.

لقد كانت الإنسانية واحدة فاختلفت بسبب تعنت البعض ورفضهم للعلم الذي جاءهم فقالوا “إنا بالذي آمنتم به كافرون”، بالنسبة لهم المهم ليس في الرسالة وإنما في الموقف.. فالاختلاف نقمة.. ولكن تعدد وجهات النظر رحمة..

من هنا نقول لمن يتخوف من العلم في أحيان كثيرة أن: اقرأ..

3

التغيير والتكنولوجيا

للتغيير مظاهر بارزة مثل التحول من البساطة إلى التعقيد وذلك ما جاءت به العلوم الحديثة. فإن التكنولوجيا جاءت نتيجة للتحول الفكري العام في العالم خاصة بعد استيقاظ الغرب من فوضاه القروسطية. فالتكنولوجية يمكن معاينتها في الحقيقة على مستويين : أولا كعلم ؛ ثانيا كمجموعة تقنيات مبتكرة لامتداد الأعضاء الحسية والعقل.

إن الإنسان يعمل دائما على تحسين وسائل عيشه والوسائل التي تنتج هذه الوسائل ؛ من ثمة تمثل التكنولوجيا نتاج صيرورة عمل وطريقة تفكير إذ تسمح بفضل العلوم التجريبية بالخصوص على تطوير المنظومة التقنية للمجتمعات. فالغرب اهتدى إلى ما هوعليه من تطور مادي بالخصوص لأنه اعتمد على التجربة في إنتاج المعرفة وبالتالي قامت كل الحضارة الغربية على الملاحظة الحسية. ولكن لأنه اعتمد على العبقرية الإبتكارية و”المخيال” العلمي لأبنائه استطاع أن يحول الحديد إلى ذهب.. فالمنطلق هوالتغيير في طريقة التفكير التي سمحت بفضل الحرية التي حاز عليها كل فرد بالتعبير عن ذاته. فإمكانية تحقيق الذات كحاجة وجودية للفرد جعلت من المنطقة المتحضرة في أمريكا وأوروبا بأن تنتج.. إنتاج كل شيء في عصرنا وحتى تقنيت “الزوبعة العقلية” التي تمثل منهجية من منهجيات الابتكار والتي تسمح بالتعبير عن الفكرة مهما بدت ساذجة أو غريبة.. فالتكنولوجيا ميزة اجتماعية ومجتمعية في آن واحد ؛ اجتماعية لأنها تسمح بتحسين العمران البشري ومجتمعية أي نابعة من صميم المجتمع..

لقد تطورت المجتمعات الغربية تحت تأثير الحاجة إلى شيء إضافي.. فكلما تشعر بالحاجة إلى شيء ابتكرته دون كلل. فالابتكار يأتي من تحرير “المخيال” وتحرير المبادرة.. فقد تكلم أحد علماء الاجتماع (ماكس فيبر) عن التحول السريع للاقتصاد في المجتمع الألماني، في نهاية القرن التاسع عشر وأرجعه إلى حرية المبادرة التي تحفز على تراكم رأس المال.

إن المجتمع الجزائري من المجتمعات القليلة التي لها رصيد تاريخي –مقاومتها للاستعمار دون هوادة خلال 132 سنة ودينها الذي يحرر الهمم – بحيث لوعرفت كيف توظف هذين البعدين لخطت خطوات عملاقة.. إذ لوتعلقت همتها بما وراء العرش لنالته..

فالتكنولوجيا ليست حكرا على شعوب دون أخرى وإنما لكل عصر ولكل أمة تكنولوجيتها. فالتغيير الذي لا بد أن يحصل يكمن في تحرير المبادرة وتشجيعها وذلك بالوعي الذي لا بد أن يصاحبه لدى أرباب العمل. فالدولة لوحدها لا يمكنها احتواء هذا العالم وإنما عليها بالتحفيز بأدوات اقتصادية ومالية وقانونية.. وحتي في المجالات الخاصة لا بد للدولة أن تشجع المبادرات التي تخدم الأمة.

إن التغيير في العقليات البالية والسلطوية الجامحة والإحجام عن الاستثمار في الجديد هوالمحرر الأول في تحقيق طفرة تكنولوجية وهذا ليس على الجزائر بعزيز..

التكنولوجيا من جهتها، إذا اتبعت منهجية الابتكار في إنتاج الوسائل ووسائل التي تُنتَج بها الوسائل، تسمح كذلك بتعزيز التغيير نحوالأكمل والأفضل. التكنولوجية وسيلة نحو تحسين ظروف الحياة وتحقيق الاستقلالية في مجالات كثيرة، إستراتيجية أحيانا، ومن ثمة تعتمد على التحصيل العلمي والعمل الإيجابي به. لا تتطور الأمم إلا على أساس الابتكار ولا تخلد إلا بالعلم.

رابط مختصر
2017-06-05T13:39:45+00:00
2017-06-05T13:44:29+00:00
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

محمد فيطس