المؤسسة الدينية الجزائرية … رهان الفرص الخمس الضائعة

آخر تحديث : الإثنين 18 سبتمبر 2017 - 1:00 مساءً
المؤسسة الدينية الجزائرية … رهان الفرص الخمس الضائعة

 

الدكتور محمد بغداد

 

تجد المؤسسة الدينية الجزائرية نفسها اليوم، أمام تحدي تاريخي كبير، يتمثل في كيفية الظفر برهان استغلال جيد، واستثمار ذكي، خمس فرص تاريخية، لم تتوفر لها منذ قرون، من أجل أن تقدم أكبر خدمة ليس للجزائر وحدها، بل تساهم في التقليل من تدهور الوضع الاقليمي المنهار، وتجنب المزيد من الأخطار المتوقعة.

إن الحالة التاريخية التي توجد فيها المؤسسة الدينية الجزائرية، تجعل منها في مواجهة هذا التحدي المغري، الذي سيكون العامل الحاسم في مسار مشروع إعادة انعاش مصداقيتها، واستعادة جمالية موقع تفاعلها مع المجتمع، والتحول إلى مؤسسة عامة لإنتاج الخدمات الملبية لحاجات المجتمع وتشبيع متطلباته وتحقق تطلعاته.

وبقدر ما تتيح الظروف التاريخية الحالية، مجالات النجاح أمام المؤسسة الدينية الجزائرية، إذا تمت المسارعة لفهم قوانين العمل المنطقي، وضوابط آليات الانجاز المبدع، والاعتراف بشروط النشاط، وقوانين الاستثمار الذكي، للإمكانيات، بقدر ما يكون المكوث في الحالة القائمة مشكلة كبرى، يصعب كثيرا على الأجيال القادمة، ترميم ما سيخلفه عدم اقتناص هذه الفرصة، وفي الوقت المحدد لها.

طاقة الشباب

تكاد المؤسسة الدينية الجزائرية، تتفرد عن غيرها من المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، بتربعها على امتلاك ثورة استثنائية، تتمثل في قوة الشباب، والتفافهم حولها، والذي يتجلى لمن يدرك خبايا الواقع، في ذلك التفاعل الكبير الذي يصنعه الشباب مع هذه المؤسسة، بغض النظر عن طبيعته وأشكاله والأحكام التي تصدر عنه، إلا أنه يشكل نقطة ثقل تاريخي، يجعل من المؤسسة الدينية، الحائز على المخيال التعبيري الجمعي، والمناص الشاحن لأهم وأكبر ثروة في البلد.

إن الإاهتمام الوسع الذي يظهره الشباب، تجاه المؤسسة الدينية، والتفاعل القوي، الذي يمارسونه تجاه خطابها، والآمال الحساسة التي تعقدونها عن دورها، والجهود الكبيرة، التي يبذلونها في التعلق بمعانيها، والرغبة الطافحة التي ينتظرونها، في تلبية هذه المؤسسة لحاجاتهم، والمستوى العالي الذي يستندون عليه، في اشباع هذه المؤسسة لرغباتهم، يمثل حالة استثنائية في تاريخ المؤسسة، التي يفترض أن يكون تجاوبها مساوي لطبيعة حركة الشباب، ومعاكس لها في الاتجاه، كما يفرضنه قانون الطبيعة المتوارث.

إن أول الخطوات المنتظرة من المؤسسة الدينية الجزائرية، تجاه الموجات العاتية لحركة الشباب، وتفاعلهم القوي في الحياة، أن يأتي الاعتراف الميداني المقنع والسريع بهم، وتوفير المساحات الواسعة لاستيعابهم، وإعطاء السانحة الكبرى لشرعية تطلعاتهم، والمرافقة الحانية لتحقيق آمالهم، وإيجاد الآليات الذكية لإدماجهم في عالم المستقبل، ومد يد العون لتسهيل العقبات أمامهم، وإزالة كل المنغصات من طريقهم.

نعمة التواصل

إن التحول من المفهوم الديني الارثوذوكسي الاوربي، إلى المفهوم الديني الإسلامي (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، يفرض على المؤسسة الدينية، القيام بتلك الجهود الذكية، التى تجسد هذه المعاني، المناسبة والمتلائمة مع هذا العصر، وهو الأمر الذي يحتاج، قيام رؤية اجتماعية منطقة، وإستراتيجية قادرة، على تجاوز عقبات آلم الواقع، ومنغصات المرحلة، وغبش الظروف، وضبابية المصير.

إن العالم يتجه بسرعة كبيرة، نحو الانخراط في الأزمنة الرقمية، والتكيف مع العصور الإعلامية السريعة والمعقدة، وذات الآثار المريحة، وهي نفس الإكراهات التي توجب على المؤسسة الدينية، القيام بكل الخطوات وتنفيذ كل الواجبات، حتى تكون تكلفة التكيف مع العصور الإعلامية والأزمنة الرقمية، غير باهظة التكاليف، من خلال التحول إلى المعنى الذي يجعل من هذه المؤسسة، ملك اجتماعي ورصيد جماعي.

إن أهم تكلفة تجد المؤسسة الدينية ـ مجبرة غير مخيرة ـ، على دفع تكاليفها وتحمل تبعاتها، تتمثل في تكلفة الوصول إلى مرحلة التواصلية، والتخلص من محطة الاتصالية، التي تثبت الأيام أن المجتمع يزحف إليها، ويظهر براعة في التكيف معها، ويتجاوز تبعات التجاوب مع المؤسسات والهيئات، الجاثمة في دهاليز الماضي، والنائية بنفسها عن منطق التاريخ، الذي ستكون المرحلة التواصلية شرطه الأساسي، لمن يرغب في الانخراط في المستقبل.

ثقل التراث

إن المستقبل يبنى على تراكمات الماضي، ويتم انجازه بسواعد الأجيال الجديدة، التي تكون متطهرة من كثافة الأدران، والأسقام النفسية والعقلية، التي تجعلها في وضعية تاريخية مريحة مع طبيعة حركة الزمن، وكلما ارتفع منسوب الألفة مع الماضي، واتضحت صوره في ذهنية الأجيال الجديدة، كان الذهاب نحو المستقبل سلسا وميسرا.

إن مثل هذه الخاصية، تجد المؤسسة الدينية الجزائرية في أمس الحاجة إليها، عبر ما هو متوفر لها من انجازات انسانية غير مسبوقة، ولها من الاحترام والتقدير عند الآخرين الكثير، لما وفرته من خدمات إنسانية ساعدت في اشاعة السعادة والأريحية في أوسع المساحات.

إن الثقل المركزي الذي تمثله انجازات المؤسسة الدينية الجزائرية، في المخيال الجمعي، والانجازات الانسانية، التي ابدعتها، والمحورية التى شكلتها، جهود قياداتها المتعاقبة، والسرعة التي اظهرتها في المسارعة إلى خدمة المجتمع، والمساهمات الجليلة، التي استفادت من ثمراتها مجموع الأجيال المتعاقبة، أن يفرض اليوم على المؤسسة الدينية الجزائرية، استعادة دورها، ومواصلة مهامها، بقوة أكبر، ونشاط أفضل وأسلوب أذكي، وطريقة أنفع، وفي مسارات حيوية، لمواجهة تحديات جديدة، والتعاطي مع مشكلات طارئة، يكون التراخي في إدراك هويتها، مسببا للكثير من الأزمات الأكثر خطورة وكارثية.

والمتوقع من الثقل الذي يشكله الانجاز التاريخي، في مسيرة المؤسسة الدينية، أن يكون الحافز الأدبي، والدافع العاطفي، والمقوي النفسي، الذي يفتح آفاق العمل أمامها اليوم، ويسهل انخراطها في الشأن العام، ويجعل منها مطمح المجتمع، ومطمع الفئات الحية فيه، لإشباع رغباتها المشروعة، وتلبية حاجاتها الملحة.

 

عمق المجال

في ظل التحولات التاريخية المأسوية، التي تعرفها المنطقة الإسلامية، تجد الجزائر نفسها من بين قليل النقاط المتبقية، التي لم تصبها مأسي التحول التاريخي العنيف، وهي اليوم تمثل ذلك النموذج المستثني في جغرافية الدمار الشامل، الذي يطحن المنطقة، وهو الإستثناء الذي يجعل من المؤسسة الدينية، مجبرة على المسارعة مع مؤسسات قليل أحرى، إلى الحرص على تحمل المسؤولية التاريخية الكبرى، في اعادة انطلاق مرحلة ما بعد التدمير الشامل، وبث الأمل المنشود، وتجسيد التعايش، وتوفير فرصة الاستقرار، لكامل المنطقة، التي يقع مصيرها الأهم في إعادة تفعيل مجالها الحيوي، في تلك المساحة المسموحة للمؤسسة الدينية الجزائرية، في القيام بواجباتها التاريخية تجاه المنطقة برمتها .

إن الوضعية التاريخية الاستثنائية، التي توجد فيها المؤسسة الدينية الجزائرية، في خريطة التدمير الشامل للمنطقة، يجعلها مضطرة إلى المسارعة نحو الاستفادة من هذه الوضعية المريحة، التي تجعلها محل انتظار الآخرين، لما تقدمه من مساهمة عالية الأهمية، من خلال ما تستوعبه قيادتها الفاعلة، من نقاط الحياة في ظلام التدمير الشامل، وأن التعويل على أنوار هذه النقاط المتجاهلة في المشهد، هي الكفيل بأن تجعل المؤسسة الدينية، تواصل مسيرة تقديم خدماتها التاريخية للمنطقة، كما حصل في الكثير من المحطات المؤلمة، التي حصلت في الماضي، وكانت المؤسسة الدينية الجزائرية، الظافرة بشرف خدمة الآخرين، وتوفير اجواء الحياة الكريمة، وتجنيب المنطقة المزيد من المآسي المؤلمة.

 

قوة التنوع

لقد أصبح التنوع قاعدة قوة المجتمعات الناجحة، لما يوفره من مساحات الحركة، وتحقيق الطبيعة الكونية للإنسان، وتجسيد معاني حضوره في الحياة، ولا يوجد ظرف مناسب ومناج فاعل للتنوع، كما هو في الجزائر، لما تشكله خريطة المجال الحيوي للبلاد، من المعنى الجمعي، الذي يجعل التنوع بمختلف اشكاله وأنواعه، ثروة وطنية استراتيجية، يمكن الانتباه لأهميتها، والمسارعة إلى الاستثمار فيها، وجنى الكثير من الأرباح منها، لأن قوانين عالم الناس اليوم، تسهل الذهاب إلى الاستثمار في ثروات التنوع والإبداع عبر الاعتراف به.

إن التنوع الذي تجسده المؤسسة الدينية في الجزائر، من هيئات وتيارات وأفكار وممارسات وأساليب ومواريث وتطلعات، يجعلها السلطة التي يتمثلها المخيال الجمعي، ويجعل منها تلك القوة المهمة، التي يمكنها تحريك المجتمع في الاتجاهات الفاعلة، التي إذا توفرت القيادة المناسبة لها، أن تجعل من التنوع المشروع الوطني الكبير، الفرصة الذهبية الممكنة، الذي بإمكانه توفير شرعية الاعتراف بالجميع، وإيجاد المناخ القادر على استيعاب الجميع، والذهاب به نحو دفع الجميع، نحو تقديم تلك الاضافات الابداعية المعززة للتنمية الوطنية المنشودة.

إن مفتاح النجاح للمؤسسة الدينية، يكمن في قدرة هذه المؤسسة على امتلاك الذهنية القيادية، المستوعبة لمنطق الزمن القائم، والمتفطنة إلى الطاقة الكبيرة والقوة المهمة، التي يمثلها عامل التنوع وطرق الاستثمار فيه، والعمل وفق قواعد العصر، والسير في مراكب الذكاء، وأن القوة التي يشكلها التنوع هي السبيل الأهم، لاستعادة كل مأمول وتحقيق كل منشود.

رابط مختصر
2017-09-18T13:00:21+00:00
2017-09-18T13:00:21+00:00
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

محمد فيطس