الدب الروسي، القضية السورية، آخر القلاع أم منطلق لها

آخر تحديث : الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 1:24 مساءً
الدب الروسي، القضية السورية، آخر القلاع أم منطلق لها

 

من يريد أن يفهم أركان الأزمة السورية، عليه أن يستعيد ما حدث بالعراق وثورة الجلبي الذي كان مقيما بالبلدان الاسكندينافية، والذي شكل احد أطراف المعارضة من أصحاب ساعات الرولينغس وفنادق الخمس نجوم كما سمي حينها، وكيف تم استدعاؤه بسرعة لما تم تقرير ضرب العراق، حيث أن شرارة بداية الأزمة في سوريا ابتدأت شانها شان ما سمي بالثورات الأخرى من الفضاء الأزرق، واستدعاء معارضة الصالونات، حيث كان إبطالها في بادئ الأمر افتراضيون، يدعون إلى العدالة الاجتماعية والإطاحة بالنظام في الجمهورية العربية السورية، وهنا انطلقت ما سمي الثورة العربية التي ظهرت المعارضة بها حقيقة، بين ليلة وضحاها عدا بعض الأحزاب التي ناضلت كغيرها لمحاولة منها للتغيير ، أو ربما كانت تعمل شانها شان غيرها في بلدان أخرى لتزيين الساحة، ولتمثيل التعددية.

وعلى الرغم من أن النظام في سوريا كان شديد الوضوح، بل ومثالا يحتذى به بالنسبة إلى العديد من الأنظمة، إلا أن المساس باستقراره،  كان أشبه بفتح باب المارد، حيث أن جميع دول المنطقة تزعزعت، نظرا لموقع سوريا الجيوستراتيجي الشديد الأهمية، بسبب مجاورتها للكيان الصهيوني من خلال منطقة الجولان، وبكونها جزءا من الهلال الخصيب ومجاورتها لتركيا والعراق ووقوعها عند مفترق الطرق بين كل من آسيا وأوروبا.

ويعتبر في الحقيقة التعرض إليها أشبه بقنبلة بخيطين ازرق وآخر احمر لا ندري من منهما يفجر، وكان الأمر كذلك، إذ خاطر مهندسوا الخراب العربي بالتعرض لسوريا، وخصوصا بمعرفتهم أنها تحت حماية  دولة روسيا الفيدرالية، إحدى اقوى الدول عسكريا واقتصاديا وإيديولوجيا، ولها نظامها الخاص والذي احتذى به أيضا كثيرون في أساليب الإدارة وكانت ولا تزال بمثابة مدرسة إلى يومنا هذا، وناهيك عن قوة روسيا الإقليمية والدولية.

إلا أن طريقتها في التعامل مع القضايا مختلفة جدا وجديرة بما قد نسميه وهذا استنتاج شخصي بالنهر الساكت، عكس نموذج الولايات المتحدة الأمريكية التي تستعمل أسلوب الميديا أي النهر المدوي، وتميل إلى إثارة الضجة حولها لتشتت الانتباه، وبالعودة إلى الأزمة في سوريا، كان على الدب الروسي أن يفهم للجميع أن سوريا معقله ومثال حي عن التابع الصريح له، فلا عبث معها فيما يتعلق بسوريا، وابتدأ الصراع حول المنطقة على ارض الواقع بين الدول الكبرى ودول ذات المصلحة الإستراتيجية، وكانت القائمة في البادئ تضم دول الجوار وروسيا وطبعا إيران، وإذا اعتبرنا أن الضائقة الوحيدة لروسيا في السنوات الأولى لها كان انشغالها حيال تركيا اكبر منازع لها، حيث اعتبرت تركيا وفي أكثر من مرة أن سوريا بعد استراتيجي وعمق للأمن التركي، فحدثت مناوشات بين كلاهما بقضية الطائرة الروسية التي تم إسقاطها على الأراضي التركية، وتم حلها فعليا بعد سنة تقريبا، إلا أن التصعيد كان شديدا، بنقل البوراج البحرية واستعراض القوى، وعلى الرغم من ذلك راهن بعضهم على انتهاء الأزمة في ساعاتها الأولى، إلا أن الأمور زادت انفلاتا، بعد قضية مقتل الديبلوماسي الروسي بتركيا، وبتولي بعض الجماعات المحسوبة على الجماعات الإسلامية المزودة بفتاوى نارية، مثل جبهة النصرة والدواعش وغيرها، وبعد السنة الثالثة من بداية الحرب الأهلية كانت فوق الأرض السورية اقرب من نصف جنسيات العالم، بل من اليوم الأول، يلعبون فيلما حربيا شنيعا الفرق البسيط انه حقيقي، وهنا رأى بوتين الرئيس الروسي أن عليه توضيح الأمور أكثر قليلا، ليسمع موقفه الصارم، حيال ما تمت إثارته وهو المساس بسوريا، فبدأ بنشر قواته وإقحامها أكثر فأكثر في المواجهة بجانب الجيش السوري، وهنا كانت النقطة الفارقة في الأزمة، إذ أن هذا التصرف أثار حفيظة بعض ممن كانوا ينتظرون نصيبهم من قطعة الحلوى، فبدأت المشاكل الحقيقية بإصدار اللوائح والتحرك في اتجاه أن سوريا لم يعد لها أي ولي، ويمكن الآن التحرك في جميع الاتجاهات، وما يثبت ذلك، اشك انه يمكن حصر أو حتى القول على الساحة من يستولي حقيقة على المعركة.

كما أن دول الخليج كانت حانقة فيما يتعلق بسوريا حيال ما أسمته المد الشيعي، وتعدد الطوائف بها، على ارض الشام فكانت الدافع لها لتقلب الطاولة على النظام السوري وعلى سوريا وتصفي حساباتها معه، وضخت المال الكثير ليتحقق لها ما أرادت، وهنا أيضا تدخل الدب الروسي ليحسم، فاستولى على بعض المناطق وأصبح يقوم بإحراج النظام السوري بفقده صبره، وكأنه يوصل الرسالة بقوله لا احد يتكلم عن سوريا بغيابي، كما انه أبدي حضورا كبيرا في الشق العسكري واللوجيستي حيث حسم الأمر وضغط كثيرا ليبقى على نظام بشار الأسد لأنه لم يكن له أبدا أن يرجح حلا يقول بان النظام يتغير لان هذا يعني أن احد قلاعه القليلة عبر العالم وأهمها على الإطلاق قد خسرت المعركة أمام الفريق الثاني، فسوريا ليست مجرد حليف لروسيا، فان حسبنا الأمر وبحثنا في مدى حاجة روسيا لسوريا، لن يتعدى كونها المكان الاستراتيجي النادر، الذي قد تعتبره في أي لحظة، نقطة ضغط على كامل المنطقة، وانطلاق لها نحو آفاق جديدة، وليس الأمر بالهين بل هو عظيم الأهمية.

إن الأمر شبيه بالنسبة إلى الدب الروسي بالإبقاء على التوازن في المصالح ولحضور أمام الفريق الآخر، الفريق الليبرالي، وبتقلص روسيا التي كانت تضم أكثر من 15 جمهورية وتتربع على اكبر مساحة في العالم بما يقارب 22 مليون كلم مربع ، لم يكن لهذا البلد إلا أن يتراجع خطوتين ليقفز عشر خطوات كاملة، فأمر الدولة الروسية أكثر استقرارا، وقضاؤها أيضا على الصورة النمطية التي يعبر بها الفن عنها، مثل صالات سينما هوليوود التي تصور الروسي بالبارد  والعديم الرحمة وكان الطرف الأخر رحيم، إلا أن لعبة السياسة لا تعرف الرحمة، تغلب أمر المصلحة المفرغة من أي تفهم.

وبدخول سوريا الآن عامها السابع ولم يتم الحل بعد رسميا، وبتعثر أي نوع من المفاوضات، وتسجيل اكبر لجوء لسكانها في التاريخ، مع قائمة ضحايا حرب غير محدودة، لا يمكن تسمية ما حدث إلا بالحماقة في التصرف مع الغير، ويلوح بعضهم الآن بقرب حل الأزمة، ما يستبعد حقيقة وحتى بالتقارب التركي الروسي هذه الأيام، اذا أن الأمر كان أشبه بتصفية حساب على طاولة قريبة من مخزن للأسلحة، لان المكان الاستراتيجي يكمن في قرب سوريا من الكيان الصهيوني بأكثر ما يتوجب، كما أن لإيران أيضا مصالح متعلقة بمدها الشيعي الحيوي والذي لا يتسع الآن الكلام عنه، ولا يجدر إذ إن أهداف إيران مختلفة عن روسيا بشكل لا يدع مجالا للشك.

وبما أن القاعدة تقول أن الأضعف هو من يتحمل التبعات، تدمرت سوريا بالكامل بمنشاتها الجميلة وضاع الحق بين الناس، مع تواجد معارضة قد لا تكون نواياها سوى الاستيلاء على الحكم لفعل ما هو أكثر والأمثلة متواجدة على الساحة فتقريبا، لم يخدم ما يسمى بالثورات أحدا بل زادت من درجة الدمار وضياع الحقوق.

أما عن الدب فقد استيقظ ليحمي منطقته والطريقة لذلك كانت مدوية، ضرب بها النظام الروسي عصفورين أو عشرة بحجر واحد كونه احتفظ بماء الوجه، وبقي حيث كان بل وتقدم نحو تأكيد الأفضلية ، إلا أن هذا لا يستبعد مفاوضاته مع الطرف الآخر بأكثر وضوح في الرؤيا، وتقربه منه لان العالم لا يسير إلا بهذه الطريقة، وهي سنّة، كما أن الأمور إن حسمت وهذا مستبعد قليلا، فمعناه أن الدب قد حافظ على ممتلكاته وقلعته الحصينة، ومن يدري تعتبر قلعته بداية لقلاع أخرى، وخصوصا إن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش أسوا أيامها على الإطلاق، بتصرفات ترامب المدوية، أو انه سيحسم لبداية معركة أخرى في مكان أخر من يدري، أو أن الكيان سيحاول الاحتفاظ بالضغط في القدر لتسريح الطاقة التي تفجر المنطقة وهنا، سيكون أول من سيدفع الفاتورة، فوضع لبنان غير مطمئن وبين لبنان وسوريا يبدو بين فكي كماشة. وعلى الرغم من أن هذا لا يخلص كثيرين الآن، ويبدو أن عددهم زاد، إلا أن بيع السلاح وإدارة الحروب يجدي أيضا ويدر أموالا هائلة، ولا يعدو إلا احد أهداف الخراب العربي، بيع السلاح، فبيعه فقتل فحل عسكري فبيع أكثر في حلقة مفرغة اسمها الجشع، وبتكرر الطريقة ذاتها في النيل من الآخرين، ألا يقال أن الاستعمار تلميذ غبي. فعلى الرغم من أن ثورات الخراب العربي أتت في حلة جديدة لسايكس بيكو مستحدثة، إلا أن الأحوال أصبحت أكثر سوءا، وبفضلهم للجميع، كما أن التصرف الأخير لبوتين بقاعدة حميميم التي نقلها للعالم بأسره عن الرئيس بشار الأسد كانت رسالة قوية أخرى للعالم مبينا ومرة أخرى، أن لا حاكم لسوريا فعلي إلا هو، كما أن المحافظة على بشار وكما قلت كان حفاظا على ماء الوجه وتفاديا للخسارة.

يمينة مهداوي

رابط مختصر
2017-12-20T13:24:24+00:00
2017-12-20T13:24:24+00:00
أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

محمد فيطس