رئيس شاب يتبنى بقوة مشروعا استعماريا من نوع جديد

آخر تحديث : الثلاثاء 5 ديسمبر 2017 - 1:07 مساءً
رئيس شاب يتبنى بقوة مشروعا استعماريا من نوع جديد

انتهت عهدة الرئيس فرانسوا هولاند ولم يترشح إلى عهدة أخرى، أنها فرنسا المؤمنة بشعارها الراسخ الممثل للدولة الفرنسية “أخوة، مساواة، حرية”، شعار تم تبنيه بانتهاء الثورة الفرنسية عام 1789، التي أطاحت بالحكم الملكي وبرأس لويس السادس عشر، كانت تعتبر  هذه الدولة إحدى النهضات السياسية المعاصرة والفارقة في العالم الحديث. وتوالت الجمهوريات الواحدة تلو الأخرى وتطورت هذه الدولة في سياقها السياسي والاقتصادي لتصبح من اكبر القوى الاستعمارية على وجه الأرض حتى أنها اقتسمت في وقت ما الكرة الأرضية مع بريطانيا، فاحتلت الدول من مشارق الأرض إلى مغاربها وطبعا ككل استعمار واصلت في دربها من دون أن تعير اهتماما لما تفعله، كون فكرة الاستعمار تتحدد في جلب الفائدة مهما كانت الوسيلة، وهو فكر ميكيافيلي في كتابه الأمير سنة 1516 الذي يوصي به كاتبه قائلا “الغرض يبرر الوسيلة “وبذا واصلت فرنسا وأعطت المثل لجميع أنواع الاحتلال في كيفية تدليل المستعمرات، وتواصلت هذه العملية وتواكبت مع سمعة سيئة طالتها على مدى السنين وفي كتب التاريخ، إلا أن السلالة الاستعمارية وبعد انقضاء فترات استعمارها لسبب ما، تمر بثلاث مراحل كأي حضارة أو ثقافة أو فكر، تبدأ بالنشأة، أي الحاجة ويسيرها شعور بضعف الضحية وقوة وأحقية الجاني، وتليها مرحلة القوة حيث يصطدم الاستعمار بمواجهة ما فيسخر جميع وسائله، وهنا يتم حسم الأمر إما ببقائه على سدة القرار أو بانسحابه بأية طريقة كانت، لتأتي مرحلة ثالثة تتمثل في تضميد الجراح واجترت ما حصل، والتفكير طبعا فيما هو آت.

وتوالت الحقب على هذا البلد حسب وجه من قاموا على حكمه طبعا، وقد تداول عليها الأمراء ورجال العسكر والمدنيون، وقد درج عليها هؤلاء فتغيرت وجهة النظر الخاصة بالسياسة الخارجية الفرنسية في علاقتها مع الدول الأخرى وتلك التي تربطها بمستعمراتها التي بقيت تابعة لها، وبين ما يسمى بمستعمراتها القديمة كونها قد استقلت وتحررت، ألا أن قدوم الرئيس ماكرون الشاب ذي الأربعين حولا مؤخرا على سدة الحكم رسم لفرنسا خطا آخر تماما جدد من خطابها المسوق والترويجي لواجهة احد اكبر الاستعمارات التي عرفها كوكب الأرض.

الرئيس الشاب الذي وعد خلال حملته الانتخابية على مواجهة الماضي وثقل عبء فرنسا بتاريخها الإجرامي بحق الإنسانية وارتكز كمثال على الجزائر كأكبر دولة واعرق دولة مستعمرة من فرنسا، وبدأ يقرع طبول الاحتفال بإعطائه وعدا بالاعتراف بالجرائم والتعامل معها وببداية صفحة جديدة مؤسسة على سبل التعاون وتدعيم العلاقات الدولية بين البلدين يكون أساسها التعاون والمصلحة المشتركة، وبما أن للدولة الجزائرية باعا في سياستها الخارجية رحبت بالفكرة طبعا وعولت عليها ليس خوفا أو حيطة بل رغبة بمد يد التعاون مع دولة نشترك معها لحقبة القرن في تاريخ مشترك اسود كان أم ابيض، ويقتضي التعاون النزاهة في الطرح، إلا أن الرئيس ايمانويل ماكرون وبفورة شبابه رأى غير هذا، وبمجرد اعتلائه السلطة في فرنسا وهو ذي الأربعين ربيعا، قام بأول ما نسميه خط الرجعة وعاد في كلامه فجأة بل وذهب إلى ابعد من هذا، فعل تماما عكس ما وعد به، وانتقل إلى الشقيقة المغرب ليتوج هناك وكأنه يقول لنا عندكم التمويل ولكم منا كل جحود، إلا أن السياسة الخارجية لم تسغرب كثيرا ما فعل وما يثبته تجربة لأيام والحنكة السياسية، بل أصرت الجزائر على موقفها معه من باب أنها بدأت تفهم طريقة تفكير الرئيس الشاب، وتوالت الأشهر الأولى من أيام ماكرون على سدة الحكم، وسقطت شعبيته بين شهري جوان وجويلية بعشر نقاط كاملة فكانت الصدمة عنيفة عليه، وخيبة لا نظير لها أعطته صفعة على وجهه حيث تبين له انه يسقط سقوطا حرا، وتبين له أيضا انه ماكان عليه الابتعاد على السند الأصلي، الجزائر، إلا أن نقص تجربة السياسية العميقة كلفه خطأ آخر، بدل أن يركز على الجبهة الداخلية التي كانت تزيد سخطا من عدم تغير أي شيء وحدة الأزمة الاجتماعية داخليا، تبنى فكرته سابقة الرئيس الأسبق الرئيس نيكولاس ساركوزي الذي سبقه في مرحلته الانتخابية وبين بصراحة نواياه العدائية في نهاية ألفين وعشرة، إلا أن الملفت في الأمر أن هذا الشاب استند على هذه الفكرة وأراد أمرين أن يتمحور تواجد بالرئاسة حول إفريقيا والثاني أن تكون الجزائر دائما ملهمته في الوصول إلى غرضه، وبذا قاطع في الفترة الأخيرة الجهود الدبيلوماسية الحثيثة التي ترمي إلى إيجاد حل سلمي بين الفرقاء الليبيين، بتقربه من الماريشال خليفة حفتر وأيضا بدعم مبادرات اقل ما يقال عنها مستفزة مثل تحفيز ليبيا على السير في طريق التطبيع مع الكيان وضمان الإمداد العسكري منه والتقرب من مصر كحليف وطبعا من خلال الصفقات الحربية وحفزت على المشاركة في رفع مدى جاهزية الاستفزاز تجاه المنطقة كاملة، كما انه أشعل النار في منطقة الجنوب بحدود مالي بتسليط الحضور العسكري الفرنسي بها مما أدى بالأفارقة إلى الهروب نحو الشمال، ومن هنا خطرت بباله فكرة اللاجئين ومحاولة توزيعهم على كامل أنحاء التراب الوطني لبث الفتنة والنزاع، حيث أن الجزائر بقيت عصية على الربيع العربي الذي قال حينها برنارد هنري ليفي مهندسها”يجب أن تسقط الجزائر في الثورة وإلا لم نفعل شيئا”وبذا أكمل زياراته المكوكية نحو أوروبا وإفريقيا في محاولة لتطويق الفهد الأسود عامة وضمان خلاء البوابة من الحراس إليه، إلا أن ماكرون واجه رد أوروبا العنيف حياله بان نظرته وخططه غير فعالة ومجدية وبان أوروبا ليست مستعدة في السير معه في مغامراته، فعاد حينها إلى ليبيا ارض الفتن الخصبة بمئات القصص الجاهزة للاستثمار، واستدار نحو شعبه الفرنسي بتامين خطاب قصير كل فترة ليحيي طريقة سابقه جاك شيراك الذي كان يكلم شعبه، وهنا استفاق إلى السلاح الفتاك ألا وهو دول الخليج ودول الشرق الأوسط حيث أن الفتن تتتابع واستثمر في العلاقات معها وصار يعرض خدماته في المساعي، إلا أنه ليس هناك خدمة من دون مقابل، ومن هنا يلخص لنا أمر سير هذا الرئيس الذي اثبت من خلال بعض خطاباته المنافية لوعوده وشطحاته الأخيرة في بوركينافاسو حيث تصرف بما لا يليق برئيس لقوة أوروبية، جاعت وأنهكت وتبحث لها عن طريق كغيرها، حيث إنه تعمد التذكير بكونه مستعمرة وبان الدول الإفريقية أصبحت لا حول لها ولا قوى بكلمته الشهيرة والمسمومة “لست هنا لأملي على إفريقيا ما عليها فعله”جملة عميقة ومعبرة صاحبها بقمة الاستهزاء خلال الندوة الصحفية التي نشطها ونظيره وما اجبر هذا الأخير على الانسحاب من القاعة، كان يقول “ليس لي أن أساعدكم، هو من عليه أن يخدمكم “إلا أن الرسالة جاءت واضحة تماما، ملخصها انه لقد دخلنا إليكم في الماضي دون إذنكم فلعبتم دور الضحايا إليكم بالنظام الجديد “نستأذنكم لكي ندخل وهذه المرة نجركم إليها جرا، وطبعا لأنكم قاصرون ولا تستحقون المكان الذي أكرمكم الله به، على قول برلماني فرنسي قال “الأفارقة لا يستحقون افريقيا، نحن من علينا نهبها”، تفكير اعترف انه متجدد قليلا بتحديث غي الشكل الخارجي إلا أن القالب نابوليوني بحت مركز وقبيح”، وإذ يهم بالقدوم على مسافة أيام من اليوم، أكاد اجزم أنه حضر شيئا مما فعله في بوركينافاسو، لذا أتمنى أن يكون رد الجزائر يليق بمن هي، في خطوة إلى تعديل الأمور وضبطها، فإن كان شابا وانفعاليا، فلدينا الرزانة والقدرة على التقويم، وبذا نصل إلى “إخوة مع من؟!! مساواة مع من؟!! حرية لمن؟!!  “.

يمينة مهداوي

رابط مختصر
2017-12-05T13:07:52+00:00
2017-12-05T13:07:52+00:00
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

محمد فيطس