رحلة نحو الآفلين

آخر تحديث : الأربعاء 11 سبتمبر 2019 - 2:35 مساءً
رحلة نحو الآفلين

إلى اللقاء، أنا سعيدة بهذه الروح الجميلة و الطاهرة التي وهبتني إياها، لقد انبثقت منك إلى هذه الأرض الجديدة التي أرسلتني إليها، إنها تبدو أرضا أشفقت عليها الشمس كثيرا و أشرقت عليها الكثير من الدماء و المياه أيضا و التي صاغها الله بنفس القدر ، لا أحب الشمس كثيرا، و لا اعشق الزهور و المجوهرات الكثيرة، لا أحب الرجل الوسيم أيضا، و لا ابتسامات النسوة بالحفلات و هن يتبادلن لمعان الذهب و بذخ الثياب الفاخرة، كل هؤلاء من الآفلين.

لقد بدأت رحلة اكتشافي بهذه الأرض الواسعة عن شيء لا يعرف الفناء. هذه الأرض التي يملؤها الصخب و الضجيج دون جدوى، لا احد منهم يستطيع أن يفكك شيفرة الأخر و لا حتى يسمح له بمبادلة الحب كما يفترض أن يكون، إنهم يتبادلون الماديات و التي تمزق الكلمات من أيديهم العطشى و التي أصابها القحط. الكثير من هذه المخلوقات تحاول جاهدة التخلص من الوساوس الشيطانية ، ثم بلحظة ما، يسيرون خلف بوق إبليس ، و بلحظة ثانية، يطبخون بطون الفقراء الجائعة على نار هادئة ولا يسمحون لجثثهم بارتداء مثقال ذرة من رحمة، و بلحظة ثالثة،يرددون ارحمنا يا ارحم الراحمين، و بلحظة رابعة، يسيرون خلف بوق إبليس مجددا بكامل قواهم العقلية. على الأقل، كان من واجباتهم اتجاه بيت العقل الحرام أن يعيشوا بعض الصدق و المقاومة و يتخلصوا من غلاف الإفك و هفوة الاعتقاد أن كل شيء يسير وفق تقلبات الطبيعة المزاجية،و الله تعالى لا يخاطب فينا شيئا إلا عقولنا. دون عقولنا، ما نحن إلا كتلة لحمية دائبة الحركة و التي تعج بأقصى كمية من الشهوات و مدائن من الشر اللامتناهي ” إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” (سورة الرعد ، الآية الثالثة).

لقد مضى زمن طويل عن آخر عصر يعبق منه أريج الطيبة، الحب العذري، و الصدق. كان ذلك منذ تعاقب عصور الخلافات الإسلامية المزدهرة.الآن، اغلب البشر يبيعون الابتسامة بسوق النخاسة بالتجزئة و بالجملة، و يتفاوضون على أسعار الألم بسوق الرق المركزي أين يتواجد بيت النقاهة بمعايير حديثة و متطورة؛ وإنهم كذلك يوزعون كتب التوحيد السماوية بشكل رهيب على طاولات الأشغال الحكومية الدولية، إنهم أصحاب ديانات إنسانية جدا،…إلى درجة أنهم قد أزالوا قرابة نصف ما خلقه الله بالمعارك و الحروب. إنهم يتوددون إلى بعضهم كي لا يرحل احدهم دون علاج أزماته التي لم يستطع شراءها، و إن ساء الأمر، سيتغير مجرى التودد، و ينقلب إلى نزاع مخضب بالاستعباد و الدماء.

من هنا،مررت بين أقلامي التي أشعلتها مثل غليون قديم، و بين فضاء أوراقي المعتمة و البياض الناصع الذي يغمرني به الله كلما ناجيته، أناضل كي أحيا حياة أخرى ، هنا صلبتني السماء كي يتقدس وجعي و تصبغ عذريته الأرض الرخوة تماما كمسرحيتهم العابرة للواقع، إنهم لا يدركون الحقيقة، حقيقة أنهم يشعرون بالخوف من طبيعتهم لذلك يقومون بتزيينها بما لذ و طاب من ماديات،إنهن يخفن إزالة طلاء الأظافر و بروز المخالب، إنهن بحاجة إلى زرع أنيابهن بمجالس النميمة، كي يتداولن الأنباء العظيمة و يناقشن قضايا ثياب امرأة لبستها للمرة الثانية و كررت لبس نفس الحذاء بحفلتين مختلفتين. إنهم هناك بمجلس الرجال، يتساءلون كيف تمكن صديقهم من انجاز الطابق الثالث رغم انه موظف عادي؟ ذلك الخوف جعلهم ينسحبون من معالمهم البشرية ككلاب مسعورة تنتشي رائحة اللحم الساخن. هنا، لا احد يدرك أننا منحوتات فنية قد أودع الله فيها البلايا رفقة عقل و بعض الصبر،و لا احد يدرك إنهم يبيعون البلايا و يشترون بثمنها القليل بعض الراحة الوجيزة، بدل شق الطريق إلى حب الله المفعم بالفضيلة، الكمالية، و الأبدية. ثم يتجدد بينهم الولاء و يتجدد معه عصر السبي، لقد تم سبي الكثير من النساء و الرجال إلى عالم الماديات، و لقد نسي الكثير منهم انه تأليف الهي بارع من عظم رغم صلابته فهو مجسد فان ،و عقل عذب ،رغم هندسته،فهو آفن. لم يفهم اغلبهم أن تكوينه ليس تركيبة من قطع معدنية وان غايته ليست تحقيق فلسفة الوصول إليها بطريقة آمنة و تقنية .

إلى أين تمضي تلك الليلة بسوادها حين تمتص أجساد الجياع،ثمة رحلة ما، تقبض على محتواهم بقوة ، و تهديه كزاوئد و فواكه، تتعفن بطاولة ثري آخر ، لم يكن بحاجة إليها على الإطلاق. ما الذي يصنعه البريق و اللمعان الذي ترتضيه حياتنا البائسة، رغم أن السواد هو الأصل على هذه الأرض الجديدة، و هو أصل كل شيء كوني حين يأخذ الله منه ما بثه فيه، و حتى كصيغة لونية، فهو إعلان جميع الألوان الرحيل إلى مكان ما. إلى أين استطيع الوصول بجثتي التي تتعثر بمخاوف الجوع، الاستعباد، و التحلل إلى شياطين صغيرة. ها قد حان أمر الله برحيلي إلي جواره، و أتى ملك الموت كي يجمع احد الآفلين و يعيدهم إلى سيرتهم الأولى. لم نعرف قيمة ما وهبنا الله إلا بعد فوات الأوان،و تحقيق الهزيمة، الحياة اقصر بكثير من إيجاد كل الأجوبة الآفلة هي الأخرى، لا يكفي الوقت إلا لشيء واحد و هو حب الله. مرحبا، لقد عدت إليك من الأرض الجديدة التي أرسلتني إليها، لقد أنهكتني هذه الرحلة كثيرا، و اعتقد أنني راسبة.

الكاتبة الجزائرية فاطمة حفيظ
رابط مختصر
2019-09-11 2019-09-11
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

وليد شهاب