الأديبة سليمة مليزي: إبداعي صومعة تأذنُ منها أصوات الفرح

آخر تحديث : السبت 15 فبراير 2020 - 12:39 مساءً
الأديبة سليمة مليزي: إبداعي صومعة تأذنُ منها أصوات الفرح

 

ـ الكتابة نبعت من عمق ذاتي وهي انفجار الموهبة

أجرى الحوار بوقاسة عبد الجليل 

 

تغلغلت الكتب في قلب الأديبة والشاعرة سليمة مليزي منذ الصغر، حيث إنها عشقت ثلاثية نجيب محفوظ وهي في 14 من عمرها، تنوعت كتاباتها بين الرواية والشعر وقصص الأطفال التي تمنح عبرها رسائل تساهم في تنشئتهم على أسس صحيحة.. في هذا الحوار الذي شاركتنا به نتعرف عليها وعلى أهم المحطات التي مرت بها وكانت السبب في صقل موهبتها.

 

القراء يسألون من هي الأديبة سليمة ملّيزي التي يقرأ لها بالصحف، ممكن تقدمين لنا لمحة موجزة عنك سيدتي سليمة؟

 

سليمة مليزي ولدت من رحم الاستقلال، ابنة الشهداء،

تربت في كنف أم كانت بمثابة رجل، لا تقهرها الصعاب، وجدةٌ حكيمة تقودنا في نظام عسكري، وكثيراَ من الحب والعطف والحنان، الجدة التي تركت فينا بصمة القوة، ترعرعتً في بيئة ريفية جميلة جداَ، في بيت جدي لأمي الكبير، الذي يقعً وسط حديقة جميلة حد الفرح، في (كدية حمايد) قرية بني عزيز، سطيف، وهي الأرض التي اكتشف فيها فيما بعد أثار لقلعة بين حماد، بيت جدي الكبير كان يتوفر على كل مرافق الحياة الحديثة مقارنة بجيراننا، حتى الهاتف كان متوفراً، بعد ما طردنا أعمامنا من أراضينا وبيتنا مباشرة بعد استشهاد والدي وجدي، من قرية بني فودة أو بني فضة، كانوا يقولون عن غنا جدي (السماء لربي والأرض لابن القاضي) اللقب الذي تشتهر به العائلة نسبة لجدنا القاضي، رغم الخير الذي تركوه، آلا أننا طردنا منه، احتوتنا بني عزيز القرية الجميلة الحالمة تركت في أثراً جميلا، تربية على حب المطالعة، والعلم ربتني أمي على قصص الأنبياء، كون أبي كان يعلمهم الفقه والقرآن وأختي كانت تخلق لنا جوا للمطالعة في البيت، لم أعيش الطفولة كما أترابي من الأطفال كنتً ارفضً اللعب معهم، بقدر ما كنت أحب الانزواء في حديقة جدي واقرأ القصص، تلك القصص التي كانت شبه منعدمة، وبفضل أختي مريم الرحمة عليها، التي كانت لها علاقة جميلة مع الأساتذة كونها كانت مجتهدة جداَ في دراستها وتحب قراءة الكتب، كنتً كلما قرأت قصة، أعيد تمثيلها مع الطيور والأزهار بصوت عالي، ربما كانت هناك موهبة تترعرع، وكنتً أحب الرسم، كلما رسمتُ لوحة يأخذها المعلم ويعلقها فوق مكتبه في القسم، حتى أنني كنتً أرسم على جدران غرفتنا نحن البنات، والجميل أن والدتي لم تكن تمنعني، حياتي مليئة بالمفاجآت، الانطلاق بدأةُ في سن العاشرة عندما انتقلنا للعيش في قلب العاصمة، هناك كان الحلم يترنح في الأفق، مدارس وتكوين ومكتبات في حينا، بدأت في التهام الكتب، قرأتُ للعديد من الأدباء العالمية وأنا في سن الرابعة عشر من عمري، وما ترك فيّ بصمةُ جميلةُ وتعلمتُ منهُ الكثير هو الكاتب العربي قرأت لنجيب محفوظ أخذنا إلى سحر الشرق واللغة العرية التي أحببناها من خلال أشعار المتنبي وأحمد شوقي والشعر الجاهلي والخنساء، وقصص ألف ليلة وليلة ووو .

انطلاق ثورة الإبداع رغم أنني لم أكن اخطط لها، والفرصة كانت حين تعرفتُ على عالم آخر من الإبداع لما قرأت للأديبة الكبيرة غادة السمان ازداد طموحي كتبتُ الخاطرة ثم النثر والقصة، فزت بالجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة للشباب سنة 1982، كانت أولى خطواتي للنجاح، وكتبتٌ قصص للأطفال في الثمانينات، فتحت أول منشورات لأدب الطفل في الجزائر وكنتُ أنا الأولى التي بادرت بأخذ قصصها إلى الشركة، أتذكر أن المدير فرح كثيرا بقصصي وقال لي يا ابنتي نحن نبحث بالشمع على من يكتب للأطفال، صدرت لي أول قصة “العصفور والضفدعة” سنة 1983، وسنة 1983 شاركت في إذاعي للأطفال (ماما نجوى) لمدة سنة بمجموعة من قصص للأطفال، وبدأت أنشر في جريدة الشعب والجمهورية، ونشرت أولى قصائدي سنة 1984 في النادي الأدبي بجريدة الجمهورية، 1964وفي السنة نفسها فزت بالجائزة الأولى في القصة القصيرة عن النادي الأدبي لجريدة الجمهورية، أسستُ ملحق للأطفال في مجلة الوحدة، وبعدها استقل إلى مجلة للأطفال (رياض) التي تعتبر الأولى في تاريخ أدب الطفل في الجزائر، نجحتّ المجلة واصطبحت توزع عبر العالم العربي إلى غاية 1988 انتقلت إلى جريدة المجاهد الاسبوعي لظروف التهميش والبيروقراطية التي سادت المجلة آنذاك؟

بسبب تغيير المدير العام ؟

مشواري بدأ بقوة بعد غيابي عن الساحة الأدبية لمدة 23 سنة من أجل تربية أبنائي الأعزاء، (لان تربية الأبناء لا تنتظر، إنما الابداع ينضج أكثر).

من كان سند لك وآمن وشجعك بالكتابة؟

في ذاك الوقت صعبٌ جداَ أن نجد من يأخذ بيدنا، لأننا كمبتدئين كنا نخفي ما نبدع وندونه في دفاترنا الوردية، من محاسن الصدف أنني عملت أول مرة في مجلة ألوان وأنا طالبة، لذلك كان لي الشرف أن التقيت بأدباء كبار وشعراء، كنت أستشيرهم في ما أبدع وخاصة أدب الطفل هو الشاعر الصديق سليمان جوادي. أما فيما يخص القصة القصيرة، اخذ بيدي الأديب والصحفي عبد العزيز غرمول، اعترف أنه كان يختار لي من الكتب القيمة ما اقرأ، من قبل كنت أقرا أي كتاب يقع في يدي، لكنني معه وجدت عالما آخر من الأدب العربي والعالمي، اختيار العمل الجيد للقراءة هو بمثابة مدرسة قوية تزرع فينا أسس وفنون الأدب حتى نكتسب اسلوبنا المتميز والخاص بنا.

ما للقارئ الذي يشدك للكتابة ؟ و ما الرسالة التي تريدين إيصالها؟ 

يعود السلوك الإبداعي في نظر العالم النفساني فرويد إلى الدوافع النفسية اللاشعورية، حيث تنفجر الرغبات المكبوتة والنزوات الخفية في صور إبداعية رائعة سماها بظاهرة الإعلاء الإبداع هو فطرة غريزية يمنحها لنا الله عز وجل منذ الصغر، لكن هذه الموهبة يجب علينا تطويرها بالتعليم والعلم والمعرفة والمطالعة والاحتكاك بأشخاص ذوي مستوى عالي في الثقافة والأدب، وطبعا المدرسة لها دور كبير في ترسيخ ذلك، الكتابة نبعت من عمق ذاتي، وهذا بعد حبي الكبير للمطالعة وحب الاكتشاف.

أعتقد أن رسالتي للقارئ وصل منها الكثير، خاصة من خلال إبداعاتي في مجال الشعر والقصة وأدب الطفل، حيث أجمل رسالة قوية جدا وهي إعادة الاهتمام بهذا النوع من الأدب لأنه هو الذي يربي النشأ تربية سليمة مثقفة محبة للعلم والمعرفة، هذا الطفل الذي سيكبر ذات يوم ويصبح رجلاُ يعول عليه أن يخدم هذا الوطن، رسالتي الأدبية لا تزال تحمل الكثير من الأفكار، وأتمنى أن تتجسد على أرض الواقع، طموحي كبير جداَ أن أخدم بلدي والمجتمع المثقف.

من هم الكتاب والأدباء الذين تحبين أن تقرئي لهم؟

قرأتُ للكثير من الأدباء العالميين والعرب، والى حد الآن أعود أحيانا واقرأ لهم، مثلا للروائي العالمي نجيب محفوظ، قرأت لأبو القصة العربية يوسف ادريس، احسان عبد القدوس، غسان كنفاني، حنا مينا، اليا ابو ماضي، جبران خليل جبران، زهير ابو سلمى المتنبي الذي يعتبر أبو الشعر العربي عبر العصور، والتي أخرجتني من عقدة الأنثى هي الأديبة الكبيرة غادة السمان، فقد منحتني الكثير من الثقة في نفسي، قرأتُ للأدب العالمي الكثير مثل غابريال غارسيا مراكيس، ليو تلولستوي، ستندال، البار كاميو، الذي عرفنا على شوارع العاصمة، وبولغوين ووهران، في أعماله الأدبية، كتب عن الجزائر ربما أفضل من الجزائريين، اغاثا كريستي، الروائية الانجليزية التي أدهشتنا بوراياتها البوليسية، وليم شكسبير، وقرأت للفيسلسوف الفرسني اندري جيد، الروائي الأمريكي، ارنست هيمينغواي، اراغون، ودون أن أنسي الشعراء الذين لا زلت إلى حد الآن اقرأ لهم، وتعلمت منهم الكثير، نزار قباني، محمود درويش، قرأت لبعض كتاب جزائريين عبد الحميد بن هدوقة، كاتب ياسين، مولود فرعون، زهور وانيسي ومرزاق بقطاش الذي اعتبره من بين الادباء المتميزين، عبد العزيز غرمول، واسيني الاعرج، احلام مستغانمي والقائمة طويلة صراحة.

هل ما تكتبينه يعبر عن حالات تعيشنها على أرض الواقع؟ 

أردت أن أوزع افكاري بين الواقع والخيال، بين الإحساس بالحب، والمسؤولية فيما اكتب، أردت أن أحلق بعيداً عن واقعنا المرير لأصنع في إبداعي صومعة تأذنُ منها أصوات الفرح، أردتُ أن احلق فوق السحاب لأكتب عليه جراحي لتنزل مطراً يشفي وجع القارئ، القارئ بحاجة للإبداع، بحاجة لمن يأخذ بأفكاره بعيداً، لتمحوا من صدره تلك القصائد جرح هذا الزمن، هكذا تأتيني اعترافات من قارئي خاصة الشباب، يقولون لي أستاذة ما تكتبينه من شعر يعبر عن أحلامنا جراحنا آلامنا طموحنا ويمسح ما في القلب، من وجع، ويتركنا نعيشه بكل فرح..

القصة تعبر عن واقع الإنسان بكل ما يحمله من طموح وأحلام وألم، حين اكتب القصة أتعمق فيها بجهد كبير، لأنني أجد نفسي كثيرا في التعبير السردي أفضل من الشعر، أحياناً كمنّ ينحت على رخام ويحاول إتقان اللوحة الفنية التي تصر القارئ بكل جماليات السرد القصصي، وكل تجربة في الحياة وتراكمات الأوجاع التي يعيشها الإنسان يغني المسار ويرفده بتغذية فكرية ناضجة المنال، ما نكتبه ليس من فراغ هناك غائرة في عمق الذاكرة، أو تجاويفها نستعين بها في حالات خصوبة ونضوج الفكرة، أو التجربة الإنسانية التي نعيشها يومياً، والذي يفرحني هو ما أتلقاه من ردود إيجابية من قارئي ونقاد عرب، خاصة حين يفاجئني ناقد بقراءة جميلة لأحدى قصصي، هذا ما يجعلني باستمرار المطالعة أكثر على الأدب العالمي، حتى لا أقع في نمط التكرار، فالأدب اليوم هو في حالة تجدد، خاصة عندما أخذت تجربة القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة، هذا الصنف من الأدب الذي يواكب عصر السرعة، والتكنولوجيات الحديثة التي أصبح فيها السباق نحو الومضة الجميلة التي تثير الدهشة في كل الفنون.

حديثينا على كتابك الجديد؟

آخر ديوان صدر لي 2018 هو (حدائق الغراف) وكتابي الجديد الذي هو تحت الطبع ويعتبر الخامس بعد أربعة دواوين، ومجموعة من قصص الأطفال، هو عبارة على قراءات أدبية في مجموعة من الكتب الصادرة حديثا بين 2015 و 2019، رواية وشعر، وأيضاً كتب في النقد، كما قال عنه الناقد والشاعر العراقي ناظم ناصر القريشي الذي كتب له المقدمة، قال (إنه كتاب يعتبر ابتكارا في النقد الحديث، ويضم قراءات فازت بجوائز دولية، وقراءات كتبت كمقدمة لدواوين شعرية لشاعرات من الجزائر ولبنان.

ما النصيحة التي تقدميها للقراء؟

 

أعتقد أن القارئ هو المتلقي الأقرب لقلوب المبدع، هو من يرفع شأنه عاليا، والقارئ هو تلك السحابة التي أينما مرت على مقال إلا وتمطر فرحا، نصيحتي له أن يتقن الاختيار فيما يقرأ، ليس كل ما يطبع يقرأ وهو صالح لترقية أذواق القراء، لذلك يجب عليه أن يختار بدقة وبحب ايضا ما يطلع عليه، لأن ما يترسخ في الذهن هو بمثابة النقش على الحجر، خاصة بالنسبة للشباب الذين يريدون كسب المعرفة والثقافة المتينة والقيمة، حتى يخلق لذائقته الفكرية مستوى عاليا من الفكر والابداع والمعرفة، وهكذا يستقر على اكتساب أسلوبه الذي يواجه به عالم الابداع.

كلمة ختامية للقراء ولنادي الفضاء الثقافي؟

نادي ميلة الثقافي، أتمنى أن يكون مشعلا لإنارة الثقافة والإبداع لشباب هذه المدينة التاريخية الجميلة، بجمال أهلها، وموقعها الجغرافي المتميز وأيضا لما تحمله من إرث تاريخي لما يجعلها قبلة للثقافة والسياحة، أتمنى للنادي التألق والنجاح من أجل ثقافة عالية تخدم المجتمع نحو مستقبل رائد في مجال الإبداع والعلم، قرائي الأعزاء شوقي لكم يزداد كلما نشرتُ قصيدة أو قصة أو مقالة، وأنتم من تنعشون الروح المحبة للإبداع، أنتم من تجعلون من كلماتي منارة تضيء قلوب العاشقين للأدب، شهادكم فيما أبدع تعتبر أهم وأكبر شهادة أعتز بها، لأننا بتقييمكم نعتلي منابر النجاح، ونواصل التميز والنضال من أجل أدب جميل وجيد يخدم المجتمع والوطن، أجمل الرسائل التي تأتني من قرائي الاعزاء، تسعدني كثيراً، وتزرع الفرح في قلبي.

رابط مختصر
2020-02-15 2020-02-15
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

وليد شهاب