جميلة …أجراس كنائس وزنزانة رقم 90

آخر تحديث : الأحد 2 فبراير 2020 - 3:40 مساءً
جميلة …أجراس كنائس وزنزانة رقم 90

كان يوما غير عاديا ،دقت فيه أجراس الكنيسة كعادته ،وبكى فيه قلب المسجد غياب أصوات أذانه ،لكن الذي جعل منه يوما لا يشبه بقية الأيام هو تلك الولادة الجميلة لأحلى جميلة ،في شهر جوان من سنة 1935،في الشهر الذي تستقبل فيه الأرض فصل الصيف ،إلتقى الجمال بالجمال ،ووهب الله المحروسة تلك الفتاة الساحرة لتكون فارسة بقلبها وروحها من أَجْل وطن وشعب .

أسقطت جميلة وجود المستعمر بداخلها ،لذلك حينما حملت السلاح كانت على يقين أنه سيسقط وسيخرج طالما هو قد فقد سيطرته على وجدانها

أسقطته كوجود رغم وجوده في أرض الواقع حينما رفضت أن تردد النشيد الوطني الفرنسي ،حينما صرخت بأعلى صوتها فرنسا ليست أمنا بل الجزائر هي أمنا ،كانت مميزة غير عادية في تصرفها هذا داخل المدرسة ،إذا كان باقي التلاميذ يرددون نشيد الاستعمار رغم قناعتهم أنه ليس نشيدهم خوفا من العقاب لكن جميلة لم تدع للخوف فرصة حتى يمنعها من إعلان ذلك اليقين الذي تحمله في وجدانها ،تميزت عن غيرها في كونها كسرت الخوف وهزمت المستعمر في مساحاتها الداخلية  .

دمرت جميلة بقناعتاتها وإرادتها كل ما أسسه جنرالات فرنسا إبتداء من دوبومون إلى كلوزيل إلى سالان  ،كل هؤلاء الذين  حكموا الجزائر بالحديد والنار،

لم يتمكنوا من إستعباد كل روح حرة مثلك يا جميلة ،بنت القصبة ،تلك العاصمية الأنيقة ،التي أحبت الحياة وآهتمت بكل ما يجعل منها أنثى ، تعلمت جميلة  فن الأزياء ومارست فن الرقص الكلاسيكي    وحلمت بالحياة كما تحلم بها أي بنت في سنها ،كانت جميلة من عائلة مثقفة وكان بإمكانها أن تعيش بعيدة عن جو المقاومة والثورة ،طريق الحرب والنار ليس بسهل ،لكنها اختارت بمحض إرادتها،إختارت أن تعانق البنادق وتلطخ يديها بالدم بدل حناء العروس ،إختارت أن تطارد المعمر في كل مكان يمكنها الوصول إليه لتذكره  أن الوطن ليس وطنه وعليه أن يغادره.

كان قد مر خمس سنوات على مرور احتفال فرنسا بعيدها المائة على احتلالها الجزائر ،تملك الفرنسيون الغرور وأحسوا أنهم أصحاب الأرض وظنوا أن أصحاب الأرض الحقيقيين لن يسمع لهم صوت ،فالذل والهوان جعلا من الجزائري مواطنا من الدرجة الضعيفة فليس للأهالي المضطهدين والمجردين من أبسط حقوق الحياة والمواطنة القدرة على البحث عن وطن ولا الثقة في النفس حتى تمتلأ أرواحهم بالنخوة والشجاعة للتحدي والمواجهة،

فوقف على أبواب الوطنية جيل كامل من الجزائريين من الرجال وحتى النساء   ،لا حياة بدون وطن حر ،لا يمكن للمرء أن يحيا ووطنه يئن تحت وطأة الاستعمار.

وقفت الجميلة ونسيت انها جميلة كل ما كانت تتذكره أنها جزائرية وعليها أن تتقن حيلة زرع القنابل وزعزعة إستقرار معمر تمادى في ظلمه وسلبه للحقوق.

أبدعت جميلة في مقاومتها حتى أصبحت المطلوبة رقم واحد من قبل السلطات الفرنسية لأهمية النشاط الذي كانت تقوم به  ،ورصدت جائزة مالية قيمة لمن يساعد في القبض عليها .

وشاء القدر أن تسقط ذات يوم ضحية رصاصة أصابتها في الكتف وكان ذلك سنة 1957 فألقي عليها القبض وبدأت رحلتها مع أبشع فنون التعذيب النفسي والجسدي،حيث   صعق جسدها  بالكهرباء لمدة ثلاثة أيام متتاليةبهدف أخذ أسرار  منها تخص العمل الثوري،لكن جبهة الصمود التي بداخلها كانت أقوى من التعذيب فهي التي هزمت سجانها وقطعت عليه المرور إلى أسرار رفاقها في الجهاد وصممت على الصمود .

رحلة عذابها كانت  جد صعبة ، وحوكم عليها بالإعدام بعد أن نقلتها السلطات  الى فرنسا ،وقعت جميلة في   في يد سجان سجن شعب بأكمله ،فكانت ترى في شهادتها من أجل الوطن حياة لهذا الوطن ،وخاطبته  في المحاكمة بكل فخر بجملة خلدها التاريخ ، رددت جملتها الشهيرة: “أعرف أنكم سوف تحكمون عليّ بالإعدام لكن لا تنسوا إنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرّة مستقلة”.

دخلت جميلة قبل ترحيلها إلى فرنسا  سجن سركاجي في زنزانة رقم 90.تحت هذا الرقم قضت أيام عسيرة في حياتها  ،أسرت جميلة الشعراء في سجنها فكتب عنها الشاعر نجيب سرور :

“أصغ.. هذا وقع نعال/ كطبول تقلق صمت الليل/ كخطى تنين/ فليجتمع كل كيانك في أذنين/ هم آتون/ ويدور المفتاح الملعون/ في ثقب الباب/ ويصر الباب.. يئن.. يضج.. ينوح/ الباب/ هم آتون، فليتجمع كل كيانك في عينين/ ويجيء شعاع مثل الحبل/ اللعنة للضوء الأسود للفانوس/ للحارس ذي الوجه المرعب”.

كانت محاكمة جميلة محاكمة غير عادية ،محاكمة لفتاة أبهرت العالم بشخصيتها وصمودها وثقتها ،أبهرت حتى محاميها الفرنسي الذي وقع في حبها ،احب العالم بأسره الفارسة الساحرة تلك التي تعلمت الفروسية ذات يوم من أجل الحياة فتحولت إلى أعظم فارسة في زمنها ،وقف العالم ،إرتفعت الأصوات الحرة والهيئات الدولية تهتف بالحياة لجميلة لأن جميلة هي رمز للحياة وحتى الحياة رفضت أن تتخلى عنك أيتها الجميلة،ففي دمشق توجه الطلبة إلى اليسي الفرنسي( أي الثانوية الفرنسية ) الذي كان يحمل إسم جان دارك وحطموا تمثالها ووضعوا مكانه صورة جميلة  ،وتحت الضغط العالمي ألغت فرنسا الحكم بالإعدام وحولته إلى حكم بالمؤبد ،كانوا يظنون أنهم حكموا على الجزائر كلها بالمؤبد  بحكمهم هذا وأن الجزائرستبقى  تحت حكمهم وجورهم إلى الأبد.

كبلوا يديك وأبقوك سجينة وفي خيالهم أن جميلة ستموت في سجنها ،لأنها مسجونة كما سجن الوطن

أبهرت العالم أيتها الجميلة حينما إستقل الوطن ،كنت قد تحررت قبل الوطن ،في قلب فرنسا عشقك الفرنسيون أنفسهم ،كيف لأنثى أن تأسر في سجنها قلب من كان يدافع عنها وهو فرنسي غريب عنها ،

أحب العرب كلهم جميلة ،بدون إستثناء ،من المحيط إلى الخليج إفتخروا بإبنة جلدتهم وكتبوا فيها أجمل أشعارهم ،

يقول رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن اللغة العربية الاستاذ عثمان سعدي

في أثناء عملي كسفير بالعراق وسوريا، قمت بجمع الشعر العربي الذي قيل في الثورة الجزائرية من أقطار عربية ثلاثة هي العراق وسوريا والسودان، وكانت الحصيلة 468 قصيدة أنشدها 181 شاعرا وشاعرة. منها 35 قصيدة في المناضلة جميلة بوحيرد، وقد نشرت في ثلاثة مجلدات من 2020 صفحة. وأنا أعتز بهذا العمل أكثر من اعتزازي بعملي كسفير.

قال فيها الشاعر العراقي المعروف بدر شاكر السياب

عَشْتارُ أمُّ الخِصبِ والحب والإحسان تلك الربّةُ الوالههْ

لم تُعطِ ما أعطيتِ لمْ تروِ بالأمطار ما رَوَّيتِ قلبَ الفقيرْ

يا أختنا المشبوحَةََ الباكيهْ

أطرافُكِ الداميهْ

يقطُرن في قلبي و يبكين فيهْ

لم يلقَ ما تلقينَ أنتِ المسيحْ

أما نزار قباني فله في شعره لها جميل الكلام

نزار قباني ـ قصيدة : جميلة بوحيرد

الإسم: جميلةُ بوحَيرَدْ

رقمُ الزنزانةِ: تِسعُونا

في السجن الحربيَّ بوَهران

والعمرُ اثنانِ وعشرُونا

عينانِ كقنديلي معبَدْ

والشعرُ العربيُّ الأسوَدْ

كالصيفِ ..

كشلاَّلِ الأحزان

إبريقٌ للماءِ .. وسجَّان

ويدٌ تنضمُّ على القُرآن

وامرأةٌ في ضوء الصبحِ

تسترجع في مثل البوحِ

آياتٍ مُحزنة الإرنان

من سُورةِ (مَريمَ) و(الفتَحِ)

*

الإسمُ: جميلةُ بوحيَردْ

إسمٌ مكتوبٌ باللهَبِ ..

مغموسٌ في جُرح السُحُبِ

في أدَب بلادي. في أدَبي ..

العُمرُ اثنانِ وعشروُنا

في الصدر استوطن زوجُ حَمام

والثغرُ الراقدُ غصنُ سَلام

إمراةٌ من قُسطنطينه

لم تعرف شفتاها الزينه

لم تدخُل حجرتَها الأحلام

لم تلعبْ أبداً كالأطفالْ

لم تُغرم في عقدٍ أو شال

لم تعرف كنساءِ فرنسا

أقبيةَ اللذَّةِ في (بيغال)

*

الإسمُ: جميلةُ بوحَيَردْ

أجملُ أغنيةٍ في المغرب

أطولُ نَخلَهْ

لمحتها واحاتُ المغرِب

أجملُ طفلَهْ

أتعبتِ الشمسَ ولم تتعب

يا ربّي . هل تحتَ الكوكَب ؟

يوجدُ إنسانْ

يرضى ان يأكُلَ .. أن يشرَب

من لحم مُجاهِدةٍ تُصلب ..

*

أضواءُ ( الباستيلِ) ضئيله

وسُعالُ امرأةٍ مُسلُوله ..

أكلتْ من نهديها الأغلال

أكلَ الأندالْ

( لاكوستُ) وآلافُ الأنذال

من جيش فرنسا المغلوبه

إنتصروا الآن على أنثى

أنثى .. كالشمعة مصلوبه

القيد يعضُّ على القَدمَين

وسجائرُ تُطفأ في النهدين

ودمٌ في الأنفِ .. وفي الشفتين

وجراحُ جميلةُ بوحيرد

هيَ والتحريرُ على موعِد

*

مقصلةٌ تنصبُ .. والشرار

يلهونَ بأنثى دون إزار

وجميلةُ بين بنادقِهم

عصفورٌ في وسط الأمطار

الجسدُ الخمريَّ الأسمر

تنفضُهُ لمساتُ التيَّار

وحروقٌ في الثدي الأيسَر

في الحلمةِ ..

في .. في .. ياللعار ..

*

الإسمُ: جميلةُ بوحَيردَ

تاريخٌ: ترويه بلادي

يحفظُهُ بعدي أولادي

تاريخ امراة من وطني

جلدت مقصلةَ الجلاَّدِ ..

إمرأةٌ دوَّختِ الشمسا

جرحت أبعادَ الأبعادِ ..

ثاثرةٌ من جبل الأطلَس

يذكرها الليلكُ والنرجس

يذكرُها .. زهرُ الكبَّاد ..

ما أصغرَ( جان داركَ ) فرنسا

في جانب( جان داركَ ) بلادي..

لخصت جميلة جمال المرأة في العالم العربي في صورة متكاملة عن النضال والقوة والمقاومة فكانت ملكا لجميع العرب وليس للجزائر وحدها

حياة قاصدي

رابط مختصر
2020-02-02
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

وليد شهاب