هل تكسب المؤسسة الدينية معركة جائحة كورونا؟

آخر تحديث : الجمعة 20 مارس 2020 - 4:16 مساءً
هل تكسب المؤسسة الدينية معركة جائحة كورونا؟

الدكتور محمد بغداد

بعدما أعلن زعماء العالم وقيادته أن الحلول الأرض قد نفذت، وأن انتظار حلول السماء هو المتاح اليوم أمام البشرية للتخلص من جائحة فيروس كورونا، وما حل بهذه البشرية من ملامح اليأس ومؤشرات العجز عن المواجهة والاكتفاء بالحجر الجماعي والعزل الاجتماعي، وارتفاع معدلات الميل إلى انتظار الفرج الالهي من خلال اللجوء إلى الله والتضرع بالدعاء، يفرض السؤال نفسه اليوم هل تسارع المؤسسة الدينية إلى انقاذ المجتمع والبشرية كلها من هذا البلاء؟ وهل تستغل الفرصة (الجائحة) للابداع في تقديم الخدمات المنتظرة منها؟ وهل عندها من القدرات الكافية لانتاج المنتظر منها؟

صناعة الخير

في العادة المتوارثة في الادبيات التاريخية في خطاب المؤسسة الدينية، أن التوبة من الذنوب هي الفرصة التي منحها الله للعبد للخروج من أزماته ومما يعترضه من عقبات، وأن مرحلة التوبة هي أفضل وأكثر أريحية من زمن المعصية والخطاء، وأن التوبة هي الميزة الاساسية التي تميز مفهوم العبادة وتمثل أزمة (جائحة كورونا) الفرصة المناسبة لذهاب المؤسسة الدينية لتفعيل خطاب التوبة في مختلف مستوياته، بداية من الجوانب الروحية والانتقال به إلى المستويات السلوكية الفردية والجماعية، عبر اشاعة صناعة الخير وما تدره من ثمرات تمنح المجتمع القدرة على التحرك بايجابية وتمنع عنه حالات الذهول والعطالة، وتجنبه اليأس والخمول إة التحول نحو السلوكات والمواقف غير المرغوبة، وذات التأثير السلبي على الشعور الجمعي وما تدمر به المستقبل.

إن صناعة الخير بكل مدولالته، لا تملك قيمه العليا والأكثر نقاوة إلا المؤسسة الدينية، التي يمكنها أن تكون المساعدة على اعادة صياغة مفهوم الرؤية المجتمعية والسلوكات الجمعية، وأن تساهم في بناء منظومة اتصالية جديدة يكون للفرد مكانته المؤثرة، وللجماعة مكانتها المهيمنة في مسيرة تاريخ المجتمع.

خطر المغامرين

من أكثر واهم التحديات التي تواجه المؤسسة الدينية في مشروع تقديم خدمتها للمجتمع، في ظل محنة (جائحة فيروس كورونا) تلك المشكلات المقلقة، والذات خرجات بعض المغامرين وقليلي الادراك بأهمية المسؤولية في التعامل مع مثل هذه الأحداث والتعاطي مع مثل هذه الظروف، وهؤلاء ممن الفوا الأضواء والتردد المكثف على بلاطوهات القنوات التلفزيونية، وهم الذي استعذبوا الحديث في كل القضايا وحشر أنفسهم في كل الملفات معتبرين أنفسهم عباقرة عصرهم وهم يسيؤن إلى أنفسهم قبل إلحاق الضرر بالمجتمع، وهؤلاء يظهرون اليوم متحدثين بإسم المؤسسة الدينية، ولكنهم يخوضون في مسارات إعلامية غير محترفة، وخلاصتها أنها تعمل على تحقيق مكاسب تجارية واشهارية على حساب الحقيقة أولا، وتكبيد الفرصة السانحة الكثير من الأضرار وتعطيل دور المؤسسة الدينية في القيام بدورها الذي ينتظره منها المجتمع.

والظرف الحساس والخطير الذي تفرضه محنة (جائحة فيروس كورونا) ، يتطلب من القيادات التاريخية للمؤسسة الدينية، أن تتدخل بكل مسؤولية لوضع حد لهذه الزمرة المغامرة التي أثبتت الظروف والأحداث التي مرت بالبلاد في الأونة الاخيرة، أنهم من أهم الاسباب التي فاقمت الأوضاع وأثبتت الوقائع أن هؤلاء بعيدين عن تلك الحالة الاخلاقية والعلمية، التي يفترض ان تصاحب مكانتهم والعناوين التي يظهرون بها. فكلما كان المسارعة إلى تفطن القيادات التاريخية إلى مخاطر المغامرين من عشاق الأضواء وصيادوا التصريحات وسكان البلاطوهات والخائضون في كل الملفات، وتعاونت مع المؤسسات السيادية التي تقع عليها مسؤولية حياة الناس وحماية شعورهم وممتلكاتهم، فإن تلك القرارات بوضع حد لهؤلاء بإمكانها أن تساعد على تعظيم الخدمة التي ينتظرها المجتمع من المؤسسة الدينية.

بناء السلوك

إن الحالة النفسية والمستويات العاطفية التي تتزايد في تعاطي المجتمع الإنساني عامة ومجتمعنا المحلي على وجه الخصوص، تشكل فرصة لذهبية للمؤسسة الدينية للاستثمار فيها من خلال استراتيجية محكمة، تستهدف سلوك الفرد والجماعة للشروع في تعديله والانتقال به ليس في الشكل، ولكن باستهداف المضمون منه والذهاب به نحو آفاق جديدة تكون نازعة إلى الايجابية التدريجية والتراكم النفعي الجمعي، والتخلص من السلبيات السلوكية.

ولما كانت المؤسسة الدينية رهانا قويا في برنامج الحكومة في الجمهورية الجديدة، تشكل أساسا قويا في الانتقال نحو هذا الآفاق المنتظرة لمستقبل مشترك في الطموح الجمعي، فإن المؤسسة الدينية بإمكانها إعادة شحن المجتمع افرادا وجماعات بالقيم المتجاوزة والتي اثبتت أزمة(جائحة فيروس كونا) ، أن الجميع على استعداد على الأقل في المستوى العلني تحمل تكاليف الانتقال والتخلي عن المفاهيم والسلوكات القديمة، وأن الحالة (الأزمة) تفرض تقبل التحول ولو بصفة تدريجية، ووضعية الاستعداد للتحول هي حجر الزاوية في بناء استراتيجية المؤسسة الدينية.

إن المجتمع في مجموعه العام أبدي استعداده للتعامل مع القيم الجديدة، التي كشفت أوضاعه الحالية على حالة غير مقبولة وغير مرغوبة، وأنه ينتظر الرسائل المقنعة والمؤثرة التي يشعر من خلالها أنه سينتقل معها وبها إلى آفاق جديدة، ويحقق من خلالها مصالحه، وأن الجهة الأكثر قدرة على تقبل قيمها هي المؤسسة الدينية، إذا فهمت الاساليب التي يتقبلها وتستثمر فيها.

أزمنة التيه

إن أزمة (جائحة كورونا) كشفت على ضعف كبير في عطالة تأثير المؤسسات على المجتمع، وإن كان هذا الادراك متكون منذ فترة غير قصيرة وهو المؤشر بقى دون أن يجد من الجهات من يستثمر فيه، ويحوله إلى تلك الطاقة التي يستمد منه المجتمع طاقته، ويسير على وفق خطة تقوم النخب والمؤسسات بصياغة استراتيجيتها، انطلاقا من رؤية متبصرة تدرك الحاجات التاريخية للتحولات التي حدثت في المجتمع، ولما كانت أزمة (جائحة كورونا) فقد صدمت ما هو موجود من المؤسسات وزادتها عطالة، كونها لم تكون في مستوي تفكير هذه المؤسسات، إلا أن المؤسسة الدينية أتتها الفرصة المناسبة خاصة بعد التفاعل الاجتماعي الكبير، مع قضية تعليق الشعائر الدينية (صلاة الجمعة والجماعة) ، وهو ما يؤكد أن الشعور الجماعي على استعداد للتفاعل مع خطاب المؤسسة الدينية، إذا تفطنت إلى الأهمية الكبيرة التي تتوفر في المشهد المحلي، وما تدره عليه المنتوجات التي يفرزها المشهد العالمي.

ومما يلفت الانتباه الممارسات الفردية والجماعية، التي تصب في صالح ونسق خطاب المؤسسة الدينية، إذا عملت على المسارعة إلى تفعيل شبكاتها الوطنية واستفادة على عجل من تجارب المؤسسات الدينية في العالم، وما وصلت إليه من نتائج وثمرات يكون من الأفضل، أن تعيد بلورتها وفق النسق والذهنية التي تحكم المجتمع المحلي وبذلك تكون قد قدمت الكثير من الخدمات الجليلة واعادة النشاط والحيوية، ليس لبعض مكوناتها ولكن إمداد المجتمع ومؤسساته بطاقات وخبرات جديدة، تكون نموذجا للاقتداء والاستثمار الذكي بعيدا عن سلوكات المغامرين ممن يحاولون التشويش على صورتها في الساحة.

أعنة القيادة

إن المحنة التي تمر بها البشرية اليوم تحت وطأة جائجة (فيروس كورونا) ، تشكل المناسبة القوية التي يمكن المؤسسة الدينية إلى المسارعة نحو اكتساب خبرات القيادة وممارستها في حياة الناس، من خلال اظهار البراعة في توفير الأجواء الروحية والمعاني الاجتماعية، والتقليل من الآثار المزعجة لهذه الجائحة عبر ابتكار المؤسسة الدينية لتلك الأساليب والمتاحة التي توفر تسهيل الحياة، وإبعاد المنغصات عن الناس ومساعدة صانع القرار على إدارة الأزمة بأقل التكاليف، وهو ما يفرض على المؤسسة الدينية أن تعيد استثمار موروثها من تجارب الماضي وما تختزنه النصوص الشرعية، وما وفرته فهوم واجتهاد العلماء في التاريخ عبر عصارة استخلاص القيم والمفاهيم والسلوكات التي جنبت الأمة الكثير من التكاليف المؤلمة عبر التاريخ.

وهنا يكون الامتحان العسير الذي سيواجه المؤسسة الدينية، إذا تفطنت إلى ضرورة المسارعة إلى امتلاك أعنة القيادة، وانتبهت إلى تلك القوة الروحية والطاقة الاجتماعية التي تختزها مكانتها في حياة الناس، وبالذات إلى سارعت إلى تعويض الفراغ الذي تتركه المؤسسة السياسية في المجتمع، والعمل على تحقيق التوازن المنتظر منها في هذه الظروف.

إن حصول المؤسسة الدينية على أعنة القيادة، لا يتحقق إلا إذا توفرت عندها تلك القدرة في فهم طاقاتها والعودة إلى استثمار قدراتها وإعادة تفعيل علاقاتها بالمجتمع، وكانت لديها الشجاعة الكافية لتقديم القيادات الجديدة من اتباعها ومنحهم فرصة الايمان بقدراتهم واقنعتهم بشعور القيادة والمساهمة في إدارة الأزمة، وأنهم يمتلكون قدرات تتجاوز حكمة شيوخها الذين يمنحون الإلهام للقيادات الجديدة التي تملك القدرة على تجسيد هذه الحكمة في فضاءات الناس الجديدة.

رابط مختصر
2020-03-20 2020-03-20
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

وليد شهاب