حكومة بومدين تكنوقراطية أم عسكرية؟

آخر تحديث : الأربعاء 31 مارس 2021 - 4:27 مساءً
حكومة بومدين تكنوقراطية أم عسكرية؟

الكاتبة والمؤلفة: أ سمية ساعي

من الأقوال التي تكاد تكون من البديهيات مقولة منذ الاستقلال والعسكر يحكمنا، ويتناسون عمداً أننا كنا دائما في حروب ولم نخرج منها بعد إلى اليوم، والمهم أن هذه الفرية ومن كثرة استخدامها أصبحت تقال حتى من بعض المثقفين، ولأنها من إخراج فرنسي سيء ومن يتناقلونها أخذوها من بعض كُتابهم الحاقدين على الجزائر، على الرغم من أن من كان يحكمهم هو الجنرال دوغول، وقد حكمهم مرتين من سنة 1940 إلى 1944 وحكم فرنسا الديموقراطية 10 سنوات ابتداء من سنة 1959 إلى سنة 1969، وكذلك شأن فاليري جيسكار ديستان الذي كان عسكريا وقد كان في جهاز الأمن المسؤول عن أحد مقربي ديغول وهذا الأمر الذي يدعو للسخرية.

تصف الكثير من المراجع الإنجليزية حكومة بومدين بالحكومة التكنوقراطية أما الفرنسية فبعضها تضيف كلمة عسكرية تكنوقراطية، وهذا ما أشرنا إليه، لكن ما حقيقة هذا الكلام، أو ما صحة القول أن العسكر هو من كان يحكم.

فلنرجع قليلا بالتاريخ لنضع كل شيء في إطاره الزماني والمكاني ليتسنى لنا فهم القضية وحيثياتها، بدأ كل شيء واندمج العمل السياسي والمسلح عام 1947 مع إنشاء المنظمة الخاصة تنظيم مسلح تابع لحزب الشعب وقد كان يشرف عليه سياسيا محمد خيضر وتولى القيادة ميدانيا محمد بلوزداد ثم آيت أحمد وبن بله واكتشف أمر المنظمة عام 1950، وانتهى دورها مؤقتا لكنها كانت تجربة فريدة أعطت أفكارا جديدة وفهم أعمق للاستعمار.

ولو سألت الفريق الذي يتشبث بهذه الفكرة عن الفرق بين بن بلة وآيت أحمد لقال لك بن بلة عسكري وآيت أحمد سياسي، وهنا يبدأ تفكيك هذه الخرافة.

بعد اليقين من فشل العمل السياسي جاءت فكرة انطلاق العمل الثوري ومعروف أن الذين فجروا الكفاح المسلح عام 1954 لم يكونوا في الأساس إلا مناضلين سياسيين سابقين كان أغلبهم من حزب الشعب، لقد انضم الجميع للثورة سواء طلبة مثقفين جامعيين، انخرط الجميع بهذه الثورة المباركة كآخر حل ممكن لطرد المستعمر، هؤلاء هم الذين سيسمون عسكريين لاحقا.

إذن فالنخبة من المثقفين والجامعيين هم من كانوا عسكر وانظموا للثورة طواعية بل أغلب الشعب الجزائري ساهم في هذه الثورة، فأي معنى إذن لكلمة حكمنا العسكر وأغلب الشعب بهذا المفهوم كان عسكر!

إن الذين نصفهم بالقادة السياسيين أيام الثورة في الحقيقة هم عسكريون سابقون في جيش التحرير الوطني، فكريم بلقاسم الذي كان من الوفد المفاوض وهو وقع على اتفاقيات إيفيان، كان قائد الولاية الثالثة ثم في قيادة الأركان وبعدها أصبح في الحكومة المؤقتة أي أصبح يلعب دور السياسي، وكذلك العربي بن مهيدي بوالصوف بن طوبال وغيرهم.

وهناك الكثير من الأمثلة ممن طلقوا العمل المسلح والتحقوا بتونس القاهرة وفرنسا كسياسيين ولكنهم عسكريون في الحقيقة، وإذا استثنينا فرحات عباس وبعض المحسوبين على الأصابع فلن تجد سياسيا حقيقيا في زمن الثورة.

لقد كان العمل المسلح أحد أدوات الكفاح السياسي شأنه شأن العمل الديبلوماسي تماما، ثم جاء مؤتمر الصومام الذي أخلط الكثير من الأوراق وجعل الكثيرين يدركون ويعلنون أن لعبة السياسي والعسكري جاءت كلعبة لسحب البساط من الثوار ووضعها في يد الزملاء السابقين الذين انسحبوا وتركوا السلاح واتخذوا مناصب سياسية ثم قرروا أولوية السياسي على العسكري!

هكذا جرت الأمور لذلك يصعب تفريق السياسي والعسكري لأن الجميع كان عسكر، لذلك نقول أين هم هؤلاء السياسيون الذين لم يمكنوا من السلطة؟؟؟

أم أن المقصود من كانوا يعملون في دواليب الإدارات الدوغولية الفرنسية.

حتى بومدين هو في الحقيقة طالب قبل أن يكون عسكريا، لقد أصبح عسكريا نداء للواجب المقدس، ثم يوم أن أصبح التخلي عن البذلة واجبا أكبر نزعها ولم يرتديها بعدها أبدا.

إذن فما حال حكوماته هل كانت عسكرية؟

في هذا النص من موقع my dictionary عن بومدين:” Once he assumed the presidency, he established plans for Algerian development and adhered to his programs. Benefiting from mounting oil and natural gas export revenues and hoping to exploit large deposits of iron ore, he supported technocrats in his government who developed a national petroleum industry. Then he embarked on a program of industrial diversification, earmarking nearly half of the 4-year (1970-1973) development investments (set at $5 billion) for industrialization. In a typically quiet manner he forced Algerians to participate in converting their country into one of the stronger powers of the “third world.”

بمجرد توليه الرئاسة، وضع خططًا للتنمية الجزائرية والتزم ببرامجه، مستفيدًا من عائدات تصدير النفط والغاز الطبيعي المتصاعدة وأملًا في استغلال رواسب كبيرة من خام الحديد، فقد دعم التكنوقراط “الكفاءات” في حكومته الذين طوروا صناعة البترول الوطنية. ثم شرع في برنامج التنويع الصناعي، حيث خصص ما يقرب من نصف استثمارات التنمية لمدة 4 سنوات (1970-1973) (المحددة بـ 5 مليارات دولار) للتصنيع. بطريقة هادئة نموذجية، أجبر الجزائريين على المشاركة في تحويل بلادهم إلى واحدة من أقوى قوى “العالم الثالث”.

في مقال آخر للنيويورك تايمز لسنة 1972: Cold, autocratic, deeply religious, President Boumediene has consecrated the seven years of his rule —since June, 1965—to restoring to Algeria her own personality and to liberating her from her lingering dependence upon France. Now he is resolved to achieve prosperity by making Algeria an important competitor in world markets, and for that he is creating a Government of technocrats. Under his iron hand, a leveling Socialism and pervasive state capitalism are everywhere at work, hell‐bent on industrializing the country at almost any price—a goal that paradoxically links Algeria’s economic future to Uncle Sam, of all people.

بارد، أوتوقراطي، متدين بشدة، كرس هواري بومدين السنوات السبع من حكمه – منذ جوان 1965 – لإعادة شخصية الجزائر وتحريرها من اعتمادها المستمر على فرنسا. وهو الآن مصمم على تحقيق الازدهار من خلال جعل الجزائر منافسًا مهمًا في الأسواق العالمية، ومن أجل ذلك يقوم بإنشاء حكومة تكنوقراط.

تحت قبضته الحديدية، تعمل الاشتراكية المتساوية ورأسمالية الدولة المنتشرة في كل مكان، عازمة على تصنيع البلاد بأي ثمن تقريبًا – وهوهدف يربط، على نحومتناقض، مستقبل الجزائر الاقتصادي بالعم سام على المدى البعيد.

هذا المقال مهم لدرجة أنه يرد على كلام كذلك يردد كثيرا، حول الإشتراكية والرأسمالية، ليبين لنا شدة ذكاء هذا الرجل مرة أخرى.

تعد التكنوقراطية شكلاً من أشكال الحكومات، يتم اختيار صانعي القرار فيها لمكاتب الحكم على أساس خبرتهم وخلفياتهم التقنية، وتستند التكنوقراطية إلى القرارات المتخذة على أساس المنهج التقني، والتكنوقراطية هي (اسم ): اما في (السياسة) فإنها تعني مذهب سياسي يمنح أهل العلم والاختصاص ( التكنوقراطيين ) الصلاحيات للقيام بالإصلاحات، وتعني تطبيق منهج علمي مدرروس من أفراد يمتلكون قدراً وافراً من المهارات التقنية، والصفات القيادية، والشهادات العلمية، والمعرفة التكنولوجية بقصد حل المشاكل الاجتماعية التي تواجه المواطنين، للنهوض بالمجتمع، وزيادة مستوى الرفاهية فيه، ويقوم هذا النظام على التركيز على تطوير الدولة في قطاع أوقطاعات معينة وذلك لضمان استمرار تشغيل جميع الوظائف.

بدأ تجريب هذا النظام في أمريكا ثم طبق في الصين.

وغالبا ما تذهب البلدان لتشكيل حكومات تكنوقراط

إلى أسباب واقعية منها تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشة وهذا ماعرفته الجزائر بعد الاستقلال مباشرة.

برزت الحركة التكنوقراطية Technocracy movement في الجزائر، بعد حركة 19 جوان 1965 وبدأ بومدين في تشكيل حكومته واعتمد عليهم في حل مشاكل الجزائر حديثة الاستقلال، فكان التكنوقراطيين خير نخبة يعتمد عليها في حل المشاكل في الصناعة والتطوير العملي والانتقال من مجتمع زراعي بحت إلى مجتمع صناعي وهذا واضح بقيامه الثوراة الزراعية والصناعية في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

حيث بدا كذلك في إرسال البعثات إلى البلاد الغربية للتعلم بغرض التطوير الاقتصادي في البلاد.

ومن المتعارف عليها لدى الجميع أن الاستعمار الفرنسي ترك الجزائر في حالة خراب، إذ أصبح تطبيق الحكومة التكنوقراط ضرورة ملحة في الجزائر واجبة التطبيق لأنه وكما قلنا إن حكومة التكنوقراط هي حكومة متخصصة في الاقتصاد والصناعة والتجارة.

وبالتالي أن المرحلة التي كانت تمر فيها الجزائر كانت بأمس الحاجة لتطبيق حكومة التكنوقراط قائمة على الفكر الذي لايزول وليست حكومة قائمة على أجساد الأشخاص التي تزول عند تغير الظروف، كما قالها الرئيس هواري بومدين في بيان التصحيح دولة لا تزول بزوال الرجال ولا المؤسسات. وكان لازما وحتميا وضع مصلحة البلاد فوق مصلحة أي من الجهات السياسية أو المناطقية أو العرقية.

ومع ذلك نجد أن الأصوات تتعالى من هنا وهناك، فالبعض يرى أن حكومة بومدين كانت عسكرية وهي داء يجب محاربته والتخلص منه، ومع أنها بالأساس حكومة غير حزبية، وأعضاؤها كذلك، بل حكومة متخصصة بالأمور الصناعية والتجارية والاقتصادية فقط، وتعنى بتوظيف الكفاءات على أساس المعرفة التكنولوجية، وبغض النظر عن أية انتماءات سياسية، أو دينية، أو عرقية، وعلى سبيل المثال الحكومة:

– بلعيد عبد السلام (وزير الطاقة والصناعة).

-محمد صديق بن يحيى (وزير المالية).

– أحمد طالب الإبراهيمي (وزير مستشار رئيس الجمهورية).

– محمد طيبي العربي (وزير الزراعة والثورة الزراعية).

– عبد اللطيف رحال (وزير التعليم العالي والبحث العلمي)

– محمد الياسين (وزير الصناعة الثقيلة)

– سيد أحمد غزالي (وزير الطاقة والصناعات البتروكيماوية).

-بوعلام بن حمودة (وزير الأشغال العامة).

وتختلف التكنوقراطية عن ستراتوقراطية (الحكم العسكري) بأن اختيار المنتخبين للمناصب الحكومية القيادية يتم من خلال عملية تؤكد على مهاراتهم المناسبة، وأدائهم المؤكد أما الثانية يتم توجيه القرارات بناءً على إرادة قادة العسكر الممسكين بزمام السلطة، فتكون السلطة لمن يملك القوة، وهم عادةً جنرالات العسكر الذين يملكون السلاح، والذي يملك هذه القوة “الماديّة” هوالذي يحدّد طبيعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي كذلك.

حيث تسيطر أجهزة الأمن والمخابرات والجيش، على مختلف مناحي الحياة، وتمنع ممارسة الحريات السياسية بشكل كامل.

ويبقى السؤال مطروحا لوصف حكومة بومدين بالحكومة العسكرية الدكتاتورية!

ليبقى السؤال الذي لكم حرية الإجابة عنه بعد هذا الكلام

هل حكمنا العسكر حقيقة؟

هل لمستم في فترة حكم بومدين تحالف السلطة والثروة؟ وحكم الأقلية ودعم البلطجية من قبل السلطة الحاكمة؟

رابط مختصر
2021-03-31 2021-03-31
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

وليد شهاب