هؤلاء الأوروبيون اختاروا الجزائر وطنا…أصولهم والأرقام…

آخر تحديث : الأربعاء 7 أبريل 2021 - 4:25 مساءً
هؤلاء الأوروبيون اختاروا الجزائر وطنا…أصولهم والأرقام…

 

عشرات آلاف الأوروبيين المسيحيين، أغلبهم اعتنقوا الإسلام، التحقوا على مدار السنين بالأسطول البحري الجزائري في العهد العثماني منذ اشتداد عود البلاد في منتصف القرن 16م. وأصبحوا منذئذ من بين أشرس البحَّارة الجزائريين، ومن ضمن أكثرهم كفاءة ومهارة في أرض سيدي عبد الرحمن التي سرعان ما أصبحوا، وإلى اليوم، من أبنائها وأبناء الأبناء…

الأنظمة الأوروبية والكنيسة جن جنونها، حسب ما تنقله لنا التقارير الأمنية المعاصرة لهم والمؤلفات، لكن السيل لم يتوقف، لأن سُنَّةَ الحياة قضتْ، وإلى الأبد، بأن ما يُحدِّد وِجهاتِ البشر وسعيَهم في الآفاق ليس حُرَّاس الحدود وسياسات الحكومات بل الأمن والاستقرار ، حيثما توفَّر  في أرض الله، والرخاء والأرزاق.

والكثير من هؤلاء الرجال سنصادفهم على مدى أكثر من 3 قرون فوق السفن الحاملة للرايات الجزائرية بهلالها ونجومها يشقون عباب البحر حاملين المصحف والسيوف والخناجر والمدافع والخرائط والبوصلات إلى جانب أهل البلاد، الذين احتضنوهم، يخوضون المعارك في كل جهات المتوسط والمحيط الأطلسي بكفاءة غَيَّرتْ موازين القوى الإقليمية والدولية، وشهد لها الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

19 رايس اوربي سنة 1558 بالجزائر

في سنة 1558م، كان من بين 33 “رايس” من رِيَّاس الأسطول البحري الجزائري في العاصمة الجزائرية 19 أوروبيا، بالإضافة إلى 2 آخرين من أبنائهم، يقول مولاي بلحميسي، وهو ما يفوق 50 بالمائة من الرياس في المدينة آنذاك. مثلما كانوا يقودون ثلثيْ (2/3) غليوطات (galiotes) الأسطول.

وسرعان ما أصبحوا بزادهم القليل، الذي لم يكن يتجاوز عادةً البَشْمَاطْ (الخبز الجافّ) والقدِّيد والخْلِيع وزيت الزيتون والتين وما يكفي من الماء، جزءا هاما من القوة الضاربة للبحرية الجزائرية. وارتقى عدد هام منهم إلى أعلى المراتب العسكرية والسياسية في الأسطول الجزائري العثماني.

لم يكون من أصحاب الثروات كما أشيع عنهم

وتشهد وثائق الأرشيف الجزائري/العثماني أن تركات رجال البحر الجزائريين بعد وفاتهم، كما تؤكد الجزائرية عائشة غطاس في “الحِرَف والحِرَفِيون في مدينة الجزائر” أو الإسرائيلي تال شوفال (Tal Shuval) في (مدينة الجزائر حوالي نهاية القرن 18م)، لا تدل على أنهم كانوا بالضرورة من أصحاب الثروات كما يُشيعه مروِّجو نظرية تفسير تاريخ تلك الحقبة بـالجري وراء “الغنائم”. وينطبق ذلك حتى على الرّايس حَمِّيدُو بن علي، أحد أكبر اسياد البحر الجزائريين الذي استشهد في معركة مع الأمريكيين بمضيق جبل طارق في 1814، والذي لم تكن ثروته بالقدر الذي كان ومازال يتخيله الناس، وهي لا تُقارن مع ثروات بعض لصوص البلاد حاليا، فيما كان هو مقاتلا شريفًا من أجل وطنه ودولته…

ومثلما كان ريّاس البحر الكبار من الأهالي والأندلسيين والعثمانيين، الأتراك وغير الأتراك، كانوا أيضا من هؤلاء الأوروبيين الذين كانت كتابات بلدانهم الأصلية تصفهم بـ: “المرتدين” (Les Renégats).

بعض من أسماء أشهر الرياس حينها

تريدون الأسماء؟ على سبيل المثال لا الحصر: حسين كْرِيتْلِي المنحدر من جزيرة كْريت كما يدل عليه اسمه، وعمر رُودُسْلِي من جزيرة رودوس، وعلي غَرْنَاوَطْ من ألبانيا (وإن كان بعض حاملي هذا اللقب يُنسبون أيضا إلى غرناطة)، ومحمد إسكندرون الذي يقول مولاي بلحميسي إنه من لواء الإسكندرون التابع اليوم لتركيا، والعلج علي الإيطالي، وعلي بتشين من بلدة ماسا في شمال إيطاليا، ومامي الأرناؤوط من ألبانيا، والحاج حسان فينيزيانو من البندقية (Venezia) في إيطاليا، والحاج حسين ميتْزُو مورْتُو (Mezzo Morto) من إيطاليا، ومراد رايس (Morat Rais) من فرنسافي نهاية القرن 16م، وهو غير مراد رايس الهولندي (ـواسمه الأصلي الهولندي Jans Janszoon Van Haarlem) الشهير في النصف الأول من القرن 17م الذي وصلتْ سفنه حتى شواطئ آيرلندا سنة 1627م، ومراد رايس الصغير اليوناني، وكذلك مراد رايس الألباني، و مراد باتْرابِيُّو (Morad patrapello) الإسباني، ومامِي رايس الصقلي/الإيطالي، اليهودي الأصل معتنق الإسلام، أي “السَّلاَّمِي” بمصلحات ذلك العهد، ومِحَمَّد السَّردِيني (Mehemet le Sarde)، والقائمة طويلة…بل طويلة جدا.

أغلب الدول المسيحية منحت للجزائر نصيبها من “المرتدين

“كان الرياس، يقول مولاي بلحميسي، يشكلون في مدينة الجزائر جماعة متعددة الأعراق،  من ضمنها الأتراك الأصل، والرعايا العثمانيون، والكراغلة، والأندلسيون، والأهالي”. ويضيف موضحا بأن “الغالبية الكبرى كانت تتشكل من حديثي الاعتناق للإسلام”، لاسيما في بعض فترات تلك الحقبة التاريخية. ألَمْ يؤكد دييغو دي هاييدو (Diego de Haedo)، الأسير الإسباني في مدينة الجزائر أواخر القرن 16م، بحسرة في شهادته في كتابه عن “ملوك الجزائر” أنه لا توجد دولة مسيحية واحدة لم تقدم للجزائر نصيبها من “المرتدين”؟

لا يعرف الناس اليوم، بمن فيهم الأوروبيون، أن شباب جزيرة كورسيكا، الذين جرفت بعضهم اليوم التيارات اليمينية العنصرية الغربية، “جاؤوا بالآلاف”، على حد تعبير بلحميسي، إلى الجزائر رفضًا للهيمنة الجنوية الإيطالية قبل تنازلها لاحقا عن الجزيرة لفرنسا في سنة 1768م. ألا تحمل العديد من العائلات الجزائرية اليوم لقب “قورصو” المعرَّبة من CORSO أي الكورسيكي؟

تعددت أعراقهم ..

ويؤكد المؤرخ الجزائري بأن ضمن الوافدين من أوروبا إلى الجزائر الفتية، “كانت الأغلبية تتشكل من الفرنسيين، والإنجليز، والفلامنك، والإسكتلنديين، والآيرلنديين، والدانماركيين، والمجريين، والسّْلاف، والإسبان…”. وهذا قد يفيد في تطوير تفكير المؤمنين بنظريات “العرق النقي” أو “الدم النقي” كما كانت تمجده الإيديولوجيا الإسبانية آنذاك قبل أن يصلنا صدى وتأثير مثل تلك الإعوجاجات منذ بضع سنوات.

كذلك، لا يَعرف سوى القليل اليوم أن السلطات الفرنسية كانت في زمن حكومة كولبير (Colbert)، وفقًا لتوجيهات مسؤوليها الأمنيين عام 1667، تمنع بحارتها من النزول من السفن إلى البر في مدينة الجزائر خوفا من هروبهم من الخدمة وبقائهم في بلاد سيدي عبد الرحمن. مثلما لا يعلم المجريون اليوم أن الباشا الذي حكم الجزائر سنة 1558م، يقول بلحميسي، كان ابن بلدهم.

هم اليوم أجدادنا وآبائنا ..وشبابنا

من جهته، قال تقرير إسباني في 1569م إن عدد الكورسيين، فقط، من بين هؤلاء الرجال في مدينة المجاهدين والرياس كان يفوق 6 آلاف. وقدَّر دْيِيغُو دي هايِيدُو عدد هؤلاء “المرتدين” الإجمالي في هذه الحاضرة المقاوِمة بأكثر من 50 بالمائة سكانها. كما أحصى بها البرتغالي “داراندا” في سنة 1641م أكثر من 3 آلاف فرنسي دون ذِكْر المقيمين في جهات أخرى من البلاد كمدينة القالة.

وإذا أخذنا بأقوال دان (Le père Dan) في سنة 1632م، فإن عدد هؤلاء الاوروبيين في “بهجة” سيدي عبد الرحمن كان بحدود 8 آلاف، من ضمنهم 200 امرأة غالبيتهن الساحقة روسيات. كما قد لا يُصدِّق البعض اليوم أن طبيبا جراحا فرنسيا في باريس اختار في تلك الحقبة ارتداء الزي الجزائري “إعجابا” بالجزائريين حسب الكاتب الفرنسي روني دو شاصتولي دي بْوا (René du Chastelet du Boy)…

وفوق كل ذلك، لم يسجل لنا التاريخ إلا حالات نادرة من “التوبة” والعودة إلى الديانة المسيحية من ضمن هؤلاء الرجال “المرتدين” عن دين آبائهم من أجل الإسلام والحياة في الجزائر مع المسلمين.

وحتى لا ننسى ونتيه، هؤلاء انصهروا وأصبحوا جزائريين، وهم اليوم أجدادنا، وأحفادهم هم نحن وأنتم وأصدقاؤنا وجيراننا ورفاقنا… و”رَبِّي يْبَقّي السّْتَرْ عليهم وعلينا”…

فوزي سعد الله

 

رابط مختصر
2021-04-07 2021-04-07
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع الصوت الآخر.

وليد شهاب